Wednesday, May 12, 2010

تطور الحركة النيابية والحزبية فى مصر من عصرمحمد على الى ثورة 1952



عندما إعتلى محمد على العرش فى مصر فى 17 مايو 1805 كانت البلاد فى أسوأ ظروفها، حالة من الفوضى العامة والضرائب الباهظة، والصراع بين المماليك الذى يحمل نتائجه الشعب، وكان محمد على قد قدم الى مصر على رأس كتيبة البانية أرسلها الباب العالى ضمن جيش عثمانى لتخليص مصر من الإحتلال الفرنسى، ولكنه بطموحه الشديد ودهائه وحنكته إستطاع من خلال تحالفه مع قادة الشعب من مشايخ الأزهر من إقصاء خورشيد باشا المعين واليا على مصر من قبل السلطان العثمانى وأن يتولى الحكم بإرادة شعبية، ولكنه سرعان ما إستدار على المشايخ وقام بنفى الشيخ عمر مكرم وقضى على المماليك فى مذبحة القلعة الشهيرة مما أتاح له الإنفراد بالحكم.

بدأ محمد على فى تكوين جيش نظامى على أسس عصرية من المصريين بقيادة سليمان باشا الفرنساوى، واستعان بالعلماء والمهندسين الأوروبيين فى مشروعاته الإقتصادية والعلمية، واهتم بالتعليم العصرى فأرسل البعثات التعليمية الى ايطاليا وفرنسا، وأنشأ شبكة رى حديثة وترسانة لصنع سفن السطول وقام بتحديث الزراعة وبنى المصانع وعمل على إنشاء تعليم متطور فانشا العديد من المدارس التقنية المتطورة مثل المدفعية والفرسان والطوبجية والولادة والطب والزراعة والألسن وعشرات غيرها.

ويمكن تقسيم الفترة من حكم محمد على الى قيام ثورة 1952 الى مرحلتين تحمل كل منهما ملامح خاصة:

المرحلة الأولى : من عصر محمد على حتى ثورة 1919

كان لحركة التحديث والإنفتاح على الغرب التى بدأها محمد على مردودا على الواقع الثقافى والإجتماعى فى مصر، اذ حدث نوع من الحراك الثقافى خصوصا بعد عودة رفاعة الطهطاوى من فرنسا محملا بأفكاره الجديدة ومترجما للكثير من الكتب الفرنسية على رأسها الدستور الفرنسى وكتاب " روح القوانين" لمونتسكيو، مما حدا بمحمد على الى طرح وتنفيذ اقامة اول مجلس برلمانى فى الشرق.

المجلس العالى:

أنشأه محمد على فى عام 1824 وأعضاؤه هم نظار الدوواوين ورؤساء المصالح بالإضافة الى 2 من علماء الأزهر يختارهم شيخ الأزهر و2 من التجار يختارهم شيخ الطائفة (الشهبندر) و2 من ذوى المعرفة بالحسابات بالإضافة الى 2 من الأعيان من كل مديرية يتم انتخابهم من الأهالى على ان يقوم بالتصويت شخص نيابة عن 100 من الأهالى، وكان هذا المجلس يتكون فى بداية تشكيله من 24 عضوا تم مضاعفته فى الدورات التالية بإضافة 24 شيخا وعالما اليه، وتم وضع لائحة داخلية تنظم عمل المجلس ودورات انعقاده وصلاحياته، والذى يعطى هذا المجلس تسمية المجلس النيابى خاصتين:

1- بعض أعضاء هذا المجلس يتم انتخابهم .

2- تمثيل الفئات المختلفة فيه.

مجلس المشورة:

ويعتبر تطويرا للمجلس العالى وتم إنشائه فى 1829بعد عودة رفاعة الطهطاوى من فرنسا، ويتكون من 156 عضوا منهم 33 من كبار الموظفين والعلماء ومامورى الأقاليم وعددهم 34 بالإضافة الى 99 من الأعيان يتم انتخابهم، وعين محمد على ابنه إبراهيم باشا لرئاسته وكان لهذا المجلس صلاحية مناقشة التعليم والإدارة والأشغال العمومية وصدرت لائحته الداخلية فى 1830.

وبعد عقد اتفاقية لندن 1840 وإجبار محمد على على الإنسحاب من كافة المناطق التى كان قد تمدد اليها والإكتفاء بمصر والسودان كحكم وراثى له ولأبنائه، وبوفاته فى 1849 بدأت مرحلة من الإنحدار فى جميع أوجه الحياة بما فى ذلك النظام النيابى فى عهود عباس وسعيد التى استمرت حتى عام 1863 حينما ارتقى العرش الخديوى إسماعيل أحدث تغييرات عميقة فى الحياة المصرية كان أهمها النهضة العمرانية غير المسبوقة وإفتتاح قناة السويس وتفاقم الدين الخارجى لدرجة فرض الوصاية على مصر ولكنه فى نفس الوقت كان مغرما بالحياة الأوروبية مما دفعه لمحاولة الحاق مصر بأوروبا وتطويرها على النسق الأوروبى بما فى ذلك الحياة البرلمانية.

نستطيع أن نقول ان البداية الحقيقية للبرلمان المصرى كانت فى العام 1866 حيث تشكل اول مجلس نيابى حقيقى فى مصر هو "مجلس شورى النواب":

مجلس شورى النواب:

يذكر بعض المؤرخين أن تشكيل الخديوى إسماعيل للمجلس النيابى وإعطاؤه صلاحيات حقيقية قد جاء لمقابلة الضغط الذى مارسته عليه الدول الدائنة فى محاولة منه لعدم الإستجابة لهذه الضغوط من خلال مساندة البرلمان له ورفضه للإملاءات الخارجية، ولكننى أعتقد أن السبب الأصيل لدى الرجل هو محاولة حقيقية فى إطار الأعمال التى قام بها من نشر التعليم وقد افتتح في عهده حوالى خمسة الآف مدرسة منها مدارس للبنات واذدهرت الصحافة وافتتح دار الكتب والأوبرا والمتحف المصرى وغيرها، وأيضا بداية النظام الحزبى كانت فى عهده.

ويعتبر مجلس شورى النواب أول مجلس برلمانى يمتلك اختصاصات نيابية وليس مجرد مجلس استشارى ويتم اختيار اعضاؤه بالإنتخاب المباشر والحر بين المتنافسين، واحتوت لائحته الداخلية على نظام الإنتخابات وصلاحية الأعضاء وفترات الإنعقاد وسلطات المجلس، ويتكون المجلس من 75 عضوا منتخبا من كافة مديريات القطر ومدته ثلاث سنوات فقط ينعقد لمدة شهرين كل سنة ويعين رئيسه من قبل الخديوى، واكتسب المجلس صلاحيات جديدة مع تشكيل اول مجلس وزراء (نظار) عام 1878 وخاصة مع تعدد الصحف و انتشارافكار التنوير، وفى يونيو عام 1879 تم وضع لائحة جديدة اقرت العدد الإجمالى للأعضاء 120 عضوا وتقرير المسئولية الوزارية امام المجلس، وبالرغم من رفض الخديوى توفيق لائحة المجلس فقد استمر المجلس فى الإنعقاد حتى نهاية دورته النيابية ، وقد تمت تنحية الخديوى اسماعيل بضغط بريطانى على السلطان العثمانى الذى اصدر فرمانا باقالته فى 26 يونيو 1879 بعد شهرين فقط من عقد آخر مجلس نيابى، وتم تعيين توفيق خديوى على مصر.

بمجيئ توفيق الى الحكم واستمرار حالة الغليان الشعبى ضد التدخل الأجنبى وبسبب موالاته للأجانب وصعود نجم أحمد عرابى كقائد عسكرى وجماهيرى، ضعف بشدة التمثيل النيابى ودور المجلس، ولكن الثورة العرابية والتى كان أحد مطالبها الرئيسية اعادة تشكيل المجلس النيابى وبالفعل تم انتخاب المجلس بنفس لائحة 1866 فى انتظار ان يقر المجلس المجلس الجديد لائحة جديدة، وإفتتح المجلس بمسمى مجلس النواب المصرى فى 26 ديسمبر 1881وقدم مشروع المجلس الأساسى وتم اقراره فى 7 فبراير 1882 وتضمن القانون ان تكون الحكومة مسؤولة امام المجلس، وأن المجلس وحده له سلطة التشريع وحق استجواب الوزراء وان تكون مدته 5 سنوات، وهكذا أثمر كفاح الشعب المصرى عن انتزاع مجلس كامل الصلاحية يعبر عن طموحه وآماله، ولكن كما نعلم فقد تسارعت الأحداث وهزمت الثورة العرابية وتم الإحتلال الإنجليزى لمصر فى سبتمبر 1882، وأصدرت ادارة الاحتلال قرارا بتعطيل الحياة النيابية.

أصدر الإحتلال الإنجليزى فى 1883 بعد أن إستقرله المقام فى مصر وانتهى من محاكمة زعماء الثورة قانونا يسمى القانون النظامى تم بموجبه تشكيل مجلس شورى القوانين من 30 عضوا 14 منهم بالتعيين احدهم رئيس المجلس وأحد الوكيلين بالإضافة الى تشكيل ما يسمى بالجمعية العمومية وتتكون من أعضاء المجلس النيابى بالإضافة الى 7 وزراء والباقين يتم انتخابهم ويرأس الجمعية رئيس مجلس شورى القوانين، واستمر هذا الوضع حتى عام 1913.

مع تنامى الحركة الوطنية وحركة التنوير فى بدايات القرن العشرين، وإفتتاح الجامعة المصرية، وصدور عدد غير محدود من الجرائد والمجلات، ويذكر هنا انه تأسس فى مصر أكثر من 500 مجلة وجريدة بين أعوام 1895 و1900 وحدها، وقد أدى هذا الزخم الثقافى الى اشتداد الحركات الشعبية مما ادى الى ان تقوم سلطات الإحتلال بإلغاء مجلس شورى القوانين وتعيد تكوين الجمعية التشريعية من 83 عضوا منهم 66 منتخبين مباشرة و17 عضوا بالتعيين، على أن تكون مدته 6 سنوات، ولكن سرعان ما إندلعت الحرب العالمية الأولى فى نهاية عام 1914وتعلن الحكومة البريطانية الحماية على مصر ويتم تعطيل الحياة النيابية، ليستمر هذا الحال حتى قيام ثورة 1919 وصدور دستور 1923.

أحزاب ما قبل ثورة عام 1919

الحزب الوطنى القديم ( حزب العرابيين)

نشأ الحزب الوطنى بقيادة أحمد عرابى عام 1879، ويعتبر هذا الحزب أول تشكيل سياسى وطنى اتخذ شكل العمل الجبهوى أكثر من التنظيم الحزبى، وكان له شق عسكرى بقيادة أحمد عرابى وشق مدنى بقيادة محمد حليم باشا، وشارك فيه جموع المصريين ووقع وثيقة اعلانه شيخ الأزهر وبطريرك الأقباط وحاخام اليهود، ولعب فيه المثقفون بقيادة عبد الله النديم دورا رئيسيا، لكن هذا الحزب انتهى بهزيمة العرابيين، وعندما شكل مصطفى كامل الحزب الوطنى فقد كان مختلفا عن سابقه ولم يكن إمتدادا له.

حزب الأمة

حزب سياسي تأسس في مصر عام 1907م، العام الذى شهد انشاء عديد من الأحزاب ويسميه المؤرخون "عام الأحزاب"। وكان أعضاؤه من الطبقة الارستقراطية المحافظة وكبار ملاّك الأراضي، وكان رئيسه حسن عبدالرازق، أما الرأس المفكر فهو احمد لطفى السيد الذي رأس تحرير جريدتة. ولما لم يجد الحزب تعضيدًا من المندوب السامي البريطاني، أخذ ينادي بالاستقلال التام. ولم يتطورالحزب مع الأحداث الوطنية، ولذلك لم تقم له قائمة، وأصبح أحمد لطفي السيِّد أحد بناة حزب الوفد ثم انشق عليه وانضم للأحرار الدستوريين.

حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية

حزب نشأ في مصر عام 1906م برئاسة علي يوسف الذي كان يرأس تحرير جريدة المؤيد. وأصبحت هذه الجريدة هي الناطقة باسم الحزب. وكان هذا الحزب يؤيد التعاون مع الإنجليز الذين كانوا يحتلون مصر. ونادى الحزب بزيادة فرص التعليم للمصريين وإنهاء عمل المحاكم المختلطة التي كان يُحاكم فيها الأجانب، وطالب بإنهاء الامتيازات الأجنبية التي كان يتمتع بها مواطنو الدول الأجنبية في مصر.

الحزب الوطني

أسسه مصطفى كامل في مصر عام 1907م. كان من أهم أهداف الحزب استقلال مصر والرجوع إلى معاهدة لندن سنة 1840م؛ والتى نصت على الحكم الذاتي في مصر تحت السيادة العثمانية، ووضع دستور يكفل الرقابة البرلمانية على الحكومة.

توفي مصطفى كامل عام 1908م وخلفه محمد فريد الذي اهتم بالتطور الاجتماعي والتعليمي وتنظيم المظاهرات ضد قوات الاحتلال البريطانية، وضيَّق الإنجليز الخناق على محمد فريد فهاجر من مصر عام 1912م.

كان من أهم مبادئ الحزب الوطني أن ¸لا مفاوضات إلا بعد الجلاء، كما كان الحزب يرفض الاشتراك في أية وزارة وطنية ما دام المستعمر البريطاني موجودًا في البلاد.

المرحلة الثانية : من ثورة 1919 وحتى 1952

وتعد هذه المرحلة الأقرب لتطبيق معايير الديموقراطية الحديثة وقيام الحياة النيابية الحقيقية رغم ما اعتراها من نكسات وتراجعات، ويكفى أن نذكر هنا أن حزب الأغلبية التقليدية "الوفد" لم يتمكن من الحكم طوال هذا التاريخ الا 7.5 سنوات منها حوالى 5 سنوات برغبة بريطانية، مرّة فى سنة 1936 لعقد معاهدة 36 ومرّة أخرى بعد حادث فبراير 42 الشهير.

إرتبط نضال الشعب المصرى منذ منتصف القرن التاسع عشرين بهدفين رئيسيين هما الجلاء والدستور، وتجلى ذلك بأبرز معانيه فى ثورة 1919 والتى شملت جميع فئات الشعب المصرى من طلاب وعمال وفلاحين ونساء ولم تستثنى كبار الملاك أو صغارهم أو الأجراء وعمت جميع المثقفين بمختلف إتجاهاتهم وميولهم من أقصى اليسار الى أقصى اليمين، وأثمر هذا النضال فى صدور تصريح 28 فبراير عام 1922 والذى اعترفت انجلترا بموجبه بمصر دولة مستقلة ذات سيادة مع وجود التحفظات الأربعة وإنهاء الحماية البريطانية على مصر، وتشكيل لجنة تضم ثلاثين عضوا يمثلون الأحزاب السياسية والقيادات الشعبية ورموز الحركة الوطنية لوضع الدستور.

يعد دستور 1923 نقلة نوعية فى تكريس الحياة البرلمانية السليمة على الأسس الحديثة فقد أقر بوجود مجلسين نيابيين والفصل بين السلطات كما نص على انتخاب جميع اعضاء مجلس النواب انتخابا حرا مباشرا من جمهور الناخبين وكذلك ثلاثة اخماس مجلس الشيوخ، ونص بشكل صريح على مسئولية الحكومة أمام مجلس النواب وسلطته فى سحب الثقة منها، ورغم أنه أعطى الملك حق حل البرلمان الا انه حدد مهلة 60 يوما لإجراء الإنتخابات والا عاد المجلس القديم لممارسة كامل صلاحياته.

الأحزاب والحياة النيابية:

لعبت الأحزاب دورا أساسيا فى انعاش الحالة البرلمانية، فقد رفعت جميعها تقريبا شعار الديموقراطية والدستور متوازيا مع الدعوة لجلاء المستعمر،

حزب الوفد ( حزب ثورة 1919):

تم تشكيل حزب الوفد فى أتون الحركة الوطنية وصراعها من أجل الإستقلال، حيث انبثق من التوكيلات التى جمعت من عموم الامة لتفويض وفدا يتحدث بإسمها فى مؤتمر الصلح فى باريس 1919 مطالبا بالإستقلال، وقد اشتعلت الثورة اثر قيام سلطات الإحتلال بالقبض على سعد زغلول ورفاقه ونفيهم الى جزيرة مالطة، لتعم الثورة كل انحاء البلاد ويشارك فيها جميع المصريين مما أرغم سلطات الإحتلال على الإفراج عن سعد ورفاقه والسماح لهم بالسفر الى باريس لعرض مطالبهم فى مؤتمر الصلح، ورغم احباط المؤتمر للوفد المصرى وقبوله بفرض الحماية على مصر الا أن الثورة استمرت بالإشتعال ليضطر الإنجليز لمفاوضة الوفد واعلان تصريح 28 فبراير 1922 وانهاء الحماية على مصر واعلانها دولة مستقلة ذات سيادة مع تحفظات اربع، ولكن كان نجاح الثورة يتمثل فى وحدة الشعب المصرى مسلميه ومسيحيه خلف القيادة الوطنية للوفد ومشاركة المرأة بفاعلية فى الثورة وحركة المجتمع.

بإعلان دستور 1923 والنص على الفصل بين السلطات واطلاق حرية تكوين الأحزاب وحرية الصحافة، وتم إجراء الإنتخابات البرلمانية الأولى فى ظل الدستور عام 1924 ليفوز حزب الوفد بأغلبية ساحقة "90%" ويشكل أول حكومة بعد الثورة برئاسة سعد زغلول.

حزب الأحرار الدستوريين:

نشأ كإنشقاق على حزب الوفد وكان يمثل الى درجة كبيرة كبار ملاكى الأراضى فى مصر، وتكون برئاسة "عدلى يكن" وكان مناوئا لحزب الوفد، ويعتبر هذا الحزب هو الواضع لنصوص دستور 1923، وكان أقرب للملك فى معظم الأوقات، وكان من بين قياداته صفوة من المثقفين منهم "محمد حسين هيكل" مؤلف رواية زينب.

الحزب السعدى:

عبارة عن إنشقاق فى قيادة الوفد إثر خلاف بين سكرتيره مكرم عبيد من جهه و أحمد ماهر والنقراشى من جهه أخرى، ولما قرر النحاس زعيم الحزب فصل الأخيرين قررا إنشاء هذا الحزب، وبإغتيال احمد ماهر فى 1945 خلفه على رئاسة الحزب محمود فهمى النقراشى الذى ما لبث أن إغتالته حركة الإخوان المسلمين ليخلفه ابراهيم عبدالهادى.

حزب الكتلة الوفدية:

إنشقاق آخر عن حزب الوفد بعد خلاف محتدم بين مكرم عبيد سكرتير الوفد وبين النحاس زعيم الحزب عام 1943 والذى انتهى بفصل مكرم عبيد من الوفد وتأسيسه حزب الكتلة الذى تحالف مع احزاب الأقلية فى مواجهة الوفد.

الأحزاب الملكية:

وهى أحزاب نشأت بإيعاز من القصر او عملت تحت وصاية الملك المباشرة:

1- حزب الشعب : من الأحزاب الموالية للقصر، أنشأه الإقتصادى الكبير "إسماعيل باشا صدقى"، وكان منحازا للإنجليز والقصر، فحكومة صدقى باشا عملت على إلغاء دستور سنة 1923م ليحل محله دستور جديد يعطى الملك سلطات طاغية, ويعدل فى نظام الإنتخابات لكى يحصل حزب صدقى باشا الجديد حزب الشعب على الأغلبية البرلمانية. وكان من رأى صدقى باشا أن الإنتخابات ليست حقا من حقوق المواطن, وإنما تكليفا له. هذا التكليف, لا يجب أن يمنح الا لمن يستحقه ويحسن الإختيار. وغالبية الشعب المصرى لا تستطيع حسن الإختيار طالما هى أمية واقعة تحت تأثير شخصية قوية مثل شخصية سعد زغلول. يعنى تبرير فلسفى للتزوير.
2- حزب الاتحاد: أنشئ في 10 يناير سنة 1925 برئاسة يحيي باشا إبراهيم وكان شعاره الولاء للعرش

حركة الإخوان المسلمين:

فى مدينة الإسماعيلية وفى الثالث والعشرين من مارس 1928م، اجتمع ستة اشخاص من العاملين فى معسكرات الإنجليز بالأستاذ حسن البنا –معلم اللغة العربية والدين فى المدرسة الإلزامية – واعلن السبعة اشخاص انفسهم جماعة الاخوان المسلمين بقيادة الاستاذ حسن البنا الذى اصبح مرشدا للجماعة وكان عمره 22 عاما فقط، ورغم ملابسات النشأة وتبرع هيأة قناة السويس للجماعة بمبلغ 500 جنيه، الا أن مواقف الجماعة عموما كانت معادية للإنجليز، ولكنها فى أحوال كثيرة كانت معادية للقصر والإحتلال، واكتسبت شعبية كبيرة برفع شعار تحرير فلسطين الذى يدغدغ المشاعر المتدينة للجماهير، وانشأ البنا جهاز عسكرى للجماعة اسمه"الجهاز الخاص" ، وبعد انتهاء الحرب وعودة مقاتليها شعرت الجماعة بقوتها فدخلت فى استخدام العنف مع خصومها وقامت باغتيال القاضى الخازندار مما ادى بحكومة النقراشى الى حلها والقبض على قياداتها، وردت الجماعة باغتيال النقراشى، ودخلت فى صراع حاد مع النظام الأمر الذى أدى فى النهاية الى توجيه ضربة للجماعة بإغتيال مؤسسها حسن البنا .

حزب مصر الفتاة:

حزب مصري تأسس عام 1933م واستمر حتى تم حظر نشاطه مع بقية الأحزاب المصرية عام 1953م. بدأ الحزب نشاطه اجتماعيًا بمشروع القرش، وكان احمد حسين وفتحى رضوان ابرز قيادات الحزب، وانشأ فرق القمصان الخضراء أُسوة بأصحاب القمصان الزرقاء الفاشية ولكن الحزب تبنى الإشتراكية بعد الحرب الثانية وغير اسمه الى "الحزب الإشتراكى".

الأحزاب والمنظمات الشيوعية:

· الحزب الشيوعى المصرى 1924

في سنه 1920 شكلت مجموعة من المصريين والأجانب أول حزب اشتراكي في مصر من الموظفين والعمال المصريين وبعض العمال والطلبة المصريين وبعد فترة صغيرة تضاعف عدد الاشتراكيين المصريين المنتمين إليه وفي معمعان الصراع بين اشتراكية محلية وارتباط بالأممية الثالثة، تغير اسمه إلى الحزب الشيوعي المصري في الوقت نفسه الذي غادره عدد من المؤسسين. وقد تعرض الحزب لحملات ملاحقة ومحاولات اختراق أمنية تكاتفت عليه وأدت إلى ضرب هذه التجربة في أقل من عقد زمني.

· المنظمات الشيوعية خلال وبعد الحرب العالمية الثانية

في مطلع 1939 تكون "الاتحاد الديمقراطي" الذي أسسه أعضاء سابقين في "رابطة أنصار السلام" وبعد ذلك بعام تشكلت سرا "منظمة تحرير الشعب" كنواة لإعادة بناء الحزب الشيوعي المصري، وفى ديسمبر 1938أعلنت جماعة "الفن والحرية" عن ميلادها وبدأ التجمع التروتسكي المصري يأخذ شكلا تنظيميا سريا كان تعبيره العلني منبر الخبز والحرية في حين قامت الأسس التنظيمية للحركة المصرية للتحرر الوطني (حمتو). وبذلك أخذ اليسار المصري شكلا تعدديا لمنظمات صغيرة ، وفى عام1946 توحدت معظم هذه الأشكال الجنينية لتشكل منظمة متوسطة الحجم هى"حدتو" (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني)، واستمرت الإنشقاقات والوحدة بين فصائلها حتى قيام الثورة فى عام 1952.

دستور 1930

دستور 1930 جاء ليعزز السلطة التنفيذية في مواجهة البرلمان على عكس دستور 1923, وهكذا أصبح التجاذب بين هذين النمطين من الدساتير واضحاً في التاريخ السياسي المصري حتى اللحظة الحاضرة التي نعيشها اليوم

أصدر الملك فؤاد أمراً ملكياً بإبطال دستور 1923 م وإعلان دستور 1930م الذي أعدته حكومة إسماعيل صدقي باشا وذلك لتقوية سلطات الملك علي حساب سلطة البرلمان، ولكن تحت الضغط الشعبي ألغي الملك دستور 1930 م وأعاد العمل بدستور 1923 م وذلك في 12 مارس 1935م وأبقي واضعو دستور 1930 علي الكثير من مواد دستور 1923م وأضافوا العديد من المواد لزيادة صلاحيات الملك في مواجهة برلمان كان يسيطر عليه حزب الوفد الليبرالي والذي مثل تحدياً كبيرا لسلطة العرش.

خلاصة التجربة الحزبية والبرلمانية قبل 1952:

تميزت هذه التجربة طوال تاريخها بسمات أساسية يمكن تلخيصها فيما يلى:

1- كانت السمة الغالبة هى وجود حزب جماهيرى يمتلك الأغلبية الساحقة (الوفد) ومجموعة من الأحزاب الصغيرة ليس لها برنامج واضح وتعمل فقط على مناوءة هذا الحزب الكبير، بسبب ان معظم هذه الأحزاب كانت فى حقيقتها إنشقاقا عن حزب الوفد لخلافات شخصية.

2- وجود نمط عام للأزمة في هذا النظام طيلة تلك الحقبة يتمثل في وصول الوفد إلى السلطة عقب انتخابات حرة ، تم دخول الوفد في صدام مع القصر أو الإنجليز أو كليهما ، فيقيل الملك الوزارة ويكلف أحزاب الأقلية بتشكيلها ، فتؤجل تلك الأخيرة انعقاد البرلمان ذي الأغلبية الوفدية ، فيحل الملك البرلمان وتجرى انتخابات جديدة تزيف لصالح الأقلية ، فيقوم الوفد بسلسلة من الإضرابات الجماهيرية ، مما يدفع الملك إلى إجراء انتخابات حرة يعود بعدها الوفد إلى الحكم.

3- كان الصراع محتدما طوال الوقت بين ثلاث قوى هي الوفد ممثل القوى الوطنية ، والإنجليز الساعين لتحقيق مصالحهم ، والقصر الغاضب من القيود المفروضة على سلطاته في دستور 1923 .

4- شكل الوفد كيانا كبيرا ضم بين جنباته العديد من القوى ذات الإنتماءات المختلفة، من اقطاعيين وكبار ملاك أراضى الى فقراء ومعدمين وعمال ومثقفين مما ساعد على خلق التكتلات داخله (الطليعة الوفدية) والإنشقاقات الكثيرة عنه.

5- بالرغم من أن حزب الوفد كان يمثل الأغلبية ويناوئ الملك والإنجليز الا أنه كان يميل احيانا الى مهادنة القصر أو الإنجليز أو كليهما، لذلك نجده يهادن الإنجليز ويوقع معاهدة سنة 1936م لكى يتفرغ لمناورات الملك. هذه المعاهدة, بالرغم من أنها قد أعطت مصر إستقلالا أكثر, إلا أنها سمحت بإحتلال الإنجليز لمدن القنال بصفة رسمية لمدة 20 سنة, كما أنها لم تعترف صراحة بوحدة مصر والسودان كما كان يأمل كل المصريين فى ذلك الوقت.

وقد ساعدت غياب العدالة الإجتماعية فى البلد والإنقسام الطبقى الحاد بين مجتمع النصف فى المائة والأغلبية الساحقة وفقدان الأمل فى قيام ديموقراطية سليمة فى ان تصب آمال الجماهير فى طاحونة الإخوان المسلمين كقوة بديلة لهذا النمط من الديموقراطية ذات الطابع الغربى وهو أيضا ما دفع الجماهير اليائسة لتأييد حركة العسكر فى 23 يوليو 1952 ليبدأ عصر جديد مختلف من حل الأحزاب والغاء الدستور بل وصل الأمر لحل النقابات وكل التنظيمات المستقلة للشعب.

Sunday, May 2, 2010

المتعة.....بين الفقه والسياسة

تعد قضية ما يعرف بزواج المتعة من القضايا الخلافية الهامة ما بين المذهب الشيعي الجعفري تحديدا وبين المذاهب السنية بوجه عام , ومنذ ظهور المذاهب وحتى الآن أثير لغط كبير و ألفت مئات الكتب ودبجت آلاف المقالات وتم خوض العديد من المعارك حول هذا الموضوع, هذا الاختلاف الفقهي, استغل بشكل سلبي, ليذكي الخلاف العقدي, والصراع السياسي بين المذهبين, الذي استمر لعقود من الزمن, فيما زواج "المتعة" مفردة فقهية, لا تدخل ضمن المنظومة العقدية أو السياسية للمذهبين الإسلاميين.
ويعّرف زواج المتعة بأنه زواج مؤقت أو منقطع بين رجل وامرأة يتم الاتفاق بينهما على سريانه لمدة محددة يتم الطلاق بينهما تلقائيا بانقضاء تلك المدة, ويشترط لصحة هذا الزواج أن يكون مصحوبا بمهر أو صداق أو أجر, وأن تحدد مدة زمنية لسريانه, في حالة عدم وجود مانع شرعي بين الطرفين من نسب أو رضاع أو إحصان أو عدة, وينسب النسل الحادث عن هذا الزواج إلى الأب ولكن ذلك ليس شرطا لديمومته.
ويختلف زواج المتعة عن الزواج الدائم في عدة أمور هي:
- ربط زواج المتعة بمدة زمنية محددة, كيوم أو شهر أو سنة أو أقل أو أكثر حسبما يكون الاتفاق بينهما.
- لا يتطلب زواج المتعة وجود شهود أو ولى ولكن أن تكون المرأة مطلقة أو أرملة رشيدة أو بكرا راشدة معيلة لنفسها.
- لا يترتب على زواج المتعة ميراث ولا قسمة ولا نفقة.
- عدم التقيد بعدد المتمتع بهن, وقيل عن الصادق( تزوج منهن ألفا فهن مستأجرات)
- يجوز التمتع بالمرأة الواحدة مرات عديدة ولا تحرم بعد الثالثة كالطلاق البائن.
- لا يشترط زواج المتعة وجود سكن زوجية.
- المرأة المطلقة من زوجها لا يجوز إعادة التمتع بها لنفس الزوج.
ويستند الشيعة في تحليل زواج المتعة إلى قوله تعالى (فما استمتعتم به منهنّ فآتوهنّ أجورهنّ فريضة من الله)[سورة النساء: الآية 24]. وقالوا في ذلك أن الاستمتاع دون الزواج وأن الأجر غير المهر.
كما أنهم يقولون أن التمتع بالنساء كان مباحا في عهد رسول الله وأبو بكر وصدر من عهد عمر حتى قال (متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما، متعة النساء ومتعة الحج) كما جاء في التفسير الكبير للفخر الرازي ج 10 ص 50 وتفسير القرطبي ج 2 ص 370 وزاد المعاد لابن القيم ج 2 ص 184، وغيرهم, وقال علماء الشيعة بالقاعدة الفقهية الشهيرة (إن حلال محمد "ص" حلال إلى يوم القيامة وحرامه حراما إلى يوم القيامة).
وأما أنه كان مباحا في عهد الرسول"ص" ما رواه مسلم في صحيحه عن قيس قال: سمعت عبد الله يقول: كنا نغزو مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ليس لنا نساء، فقلنا ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله (يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)[سورة المائدة: الآية 87] صحيح مسلم ج 6 ص 119.
ويذهب الشيعة إلى مشروعية المتعة من قول الخليفة الثاني عمر( أنهى عنهما وأعاقب عليهما )، تدل أن هاتين الجملتين أن المتعة كانت حلالاً في حياة النبي، وحياة الخليفة الأول أبي بكر، ولذلك فقد ذهب كثير من الصحابة إلى مشروعية المتعة، خلافاً لما ذهب إليه عمر، وأنكروا عليه نهيه عن المتعة، منهم الإمام علي (عليه السلام) ، وعبد الله بن عباس، وعمران بن حصين، وأبيّ بن كعب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة وشعبة وأبو ثابت، بل وعبد الله بن عمر، الذي كان يراجَع في موقفه المخالف لموقف أبيه فيقول: سبحان الله، نقول لكم قال رسول الله وتقولون قال عمر؟.
روى الثعلبي والطبري في تفسيريهما لآية المتعة قول الإمام علي (عليه السلام) (لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقيّ).
- روى ابن جريج وعمر بن دينار عن ابن عباس قوله (ما كانت المتعة إلاّ رحمة رحم الله بها أمة محمد، ولولا نهيه – أي عمر - عنها ما احتاج إلى الزنا إلاّ شفيّ)، قال ابن الأثير في البداية والنهاية عند مادة شفي بالفاء: أي إلاّ قليل من الناس، وكان ابن عباس يجاهر بإباحتها حتى في أيام عمر.
- ذكر الرازي عند تفسير آية المتعة، وأحمد في المسند: قول عمران بن حصين: أنزل الله في المتعة آية وما نسخها بآية أخرى، وأمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمتعة وما نهانا عنها، ثم قال رجل برأيه ما شاء.
في صحيح الترمذي أن ابن عمر عندما قال عن المتعة أنها حلال، قيل له: إن أباك نهى عنها، فقال: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أنترك السنة ونتّبع قول أبي؟. ولعل قصد ابن عمر بكلمة (صنعها) أي أباحها.
أمّا معظم فقهاء السنة فيخالفون الشيعة في هذا الأمر ويرون أن المتعة كانت حلالا فنسخت وحرمت ويستدلون على ذلك بأحاديث منها:
1. عن الربيع بن سيرة الجهني أن أباه حدثه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً " . رواه مسلم ( 1406 ) .
2. عن علي رضي الله عنه : " أن رسول الله صلى الله وسلم نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر ." وفي رواية : " نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية ." رواه البخاري ( 3979 ) ومسلم ( 1407 ) .
وينكر الشيعة نسخ هذا الحكم بأدلة منها:
1-القول بأن الرسول"ص" أباحها ثم منعها ثم أباحها فمنعها عدة مرات عدها البعض سبعا يرد على قائليه بأنه لو كانت المتعة محرمة لما أباحها رسول الله"ص" ساعة من زمن.
في ذلك يأتي قول الإمام الشافعي( لا أعلم شيئا أحله الله ثم حرمه, ثم أحله ثم حرمه سوى المتعة).
2- أن أصل مشروعية زواج المتعة، منصوص عليه في القرآن الكريم، وهو قوله تعالى: (فما استمتعتم به منهنّ فآتوهنّ أجورهنّ فريضة من الله)[سورة النساء: الآية 24]. والقول بأن السنة لا تنسخ الكتاب وأنه لم تأت آية ناسخة لهذه الآية.

على أنه من الصعب الايتيان هنا بكل ما قاله الشيعة والسنة في هذا الأمر لكثرته وتنوعه, ولخروج معظم كاتبيه قديما وحديثا عن أصول الحوار, وأدب التخاطب وكأنها نهاية الكون أن يعترف سني بصحة زواج المتعة أو ينكرها شيعي, وذلك بالرغم ما يعترف به أهل السنة بأنواع متعددة من الزواج كالعرفي والمسيار والسري وما ذكر عن أحد أقطاب السنة (الشيخ عبد المجيد الزندانى) من ترويجه لنوع جديد يسميه "زوج فرند" تيمنا بما هو سائد في الغرب من"بوى فرند".

ويغالى السنة أحيانا في هجومهم على الشيعة قائلين:
1- إن نكاح المتعة ليس الهدف منه ما يهدف إليه الزواج من إقامة أسرة أو عمران بيت وإنما لا يعدو كونه "دعارة"مقننة, وان ما يقال عنه مهرا ليث إلا مثل أجر صاحبات الرايات في الجاهلية والذي كانوا يسمونه مهر البغي.
2- القول بأن الشيعة في محاولة منهم لجذب الشباب السني للدخول في مذهبهم بسّطوا لهم إقامة هذا النوع من العلاقات الجنسية الخفيفة معتمدين في ذلك على أزماتهم الاقتصادية والاجتماعية وذلك لإشباع غرائزهم دون أن يترتب على ذلك مسئولية.
3- قولهم أن كره الشيعة لعمر بن الخطاب وردهم لما قال هو السبب الحقيقي وراء تمسكهم بزواج المتعة.
وهذه الجملة من الأقوال لا يعتد بها ولا يستقيم معها منطق وإنما قيلت في معرض الكيد والنكاية للشيعة وبيان أنهم لا يقيمون للأخلاق حسابا في مذهبهم, وهذا ظلم عظيم لهم, فكما بيّنا أن للسنة أيضا الكثير من التخريجات الزواجية التي لا تقل في سهولة صنعها من زواج المتعة, صيغاً مشابهة أو مطابقة أو قريبة منه, لا تختلف عنه إلا في الاسم فقط.
ولكن الشيعة أيضا قد غالوا كثيرا في تعداد مزايا المتعة فمن قائل أن شرعية زواج المتعة في الإسلام من الناحيتين النقلية والعقلية وكيف أنه (الوحيد) الذي يستند إلى تلك البراهين دون بقية أنواع الزواج المختلفة التي ظهرت لاحقاً، بل بعضها قد ظهر أخيراً نظراً للحاجة الملحّة لهذا النوع من الزواج خصوصاً لبعض الفئات من الناس, وادعائهم أنه قد نصح الفيلسوف البريطاني الشهير Bertrand rassel - وهو الجاهل بقانون المتعة الإسلامي - المجتمع الإنساني بتشريع قانون المتعة كحل نهائي لمشكلة الجنس، على أساس أن الرجل يحتاج على أي حال إلى المرأة وكذلك المرأة تحتاج إلى الرجل، فإذا لم يتمكنا من تحمل كل مسؤوليات الزواج الدائم، ولم يعطيا كذلك فرصة شرعية للزواج المؤقت فإن لابد وأن يسقطان في العلاقة الغير شرعية.
على أننا يجب أن نشير هنا إلى عدة نقاط نراها ضرورية:
إن زواج المتعة بعيدا عن الصراعات المذهبية هو زواج شرعي وذلك حسب تفسيرنا للنصوص القرآنية والمتواتر من أحاديث الرسول"ص" وان كنت أحبذ في ذلك موقف الخليفة عمر وجرأته في منع هذه الرخصة لكون ضررها أكبر من نفعها, وحقا لم يكن ليقدر على اتخاذ مثل هذا الموقف إلا عمر وهو الذي أوقف نصا قرآنينا مثل سهم المؤلفة قلوبهم وأوقف حد السرقة فى عام الرمادة.
1- إن تمتع السنّي بالنساء مخالفة لأغلب أئمة المذهب هي جائزة ولا تعد انفلاتا منه باختيار ما يبيحه مذهب الشيعة الجعفرية وذلك لأن أتّباع السنّي لذلك جائز قد أفتى به جملة من كبار العلماء وعلى رأسهم الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر"رحمه الله"وذلك في فتوى شهيرة له هذا نصها:


نص فتوى الشيخ شلتوت

التي أصدرها صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر. فى شأن جواز التعبد بمذهب الشيعة الامامية.
قيل لفضيلته:
إن بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم لكي تقع عباداته ومعاملاته على وجه صحيح أن يقلد أحد المذاهب الأربعة المعروفة وليس من بينها مذهب الشيعة الإمامية ولا الشيعة الزيدية, فهل توافقون فضيلتكم على هذا المبدأ على إطلاقه فتمنعون تقليد مذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مثلاً:
فأجاب فضيلته:
1ـ إن الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه إتباع مذهب معين بل نقول إن لكل مسلم الحق في أن يقلد بادئ ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلاً صحيحًا والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة ولمن قلّد مذهبًا من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره ـ أي مذهب كان ـ ولا حرج عليه في شئ من ذلك.
2ـ أن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعًا كسائر مذاهب أهل السنة.
فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك, وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة, فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب, فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى يجوز لمن ليس أهلاً للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم, ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات.
السيد صاحب السماحة العلامة الجليل الأستاذ محمد تقي القمى:
السكرتير العام لجماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية:
سلام عليكم ورحمته, أما بعد فيسرني أن أبعث إلى سماحتكم بصورة موقع عليها بإمضائي من الفتوى التي أصدرتها في شأن جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية راجيًا أن تحفظوها فى سجلات دار التقريب بين المذاهب الإسلامية التي أسهمنا معكم فى تأسيسها ووفقنا الله لتحقيق رسالتها والسلام عليكم ورحمة الله.
شيخ الجامع الأزهر
السابع عشر من شهر ربيع الأول 1378هـ.

2- أيضا ما يدعم الرأي السابق هو بيان حكم فقهاء السنة في السني الذي يضبط وهو متزوجا زواج متعة من الرجال أو النساء فقد قالوا بعدم إقامة حد الزنا عليه واعتبار انه زواج شبهة مع إلحاق المولود بأبيه, وأفتوا أيضا بعدم القول بكفر من يبيح زواج المتعة, أي أن الأمر غير قاطع الدلالة لديهم.

أخيرا فمهما قيل عن شرعية كل أنواع الزواج الغير تقليدي, أقصد الزواج الموثق, فجميع أنواعه تعد تحايلا على فكرة الزواج ورغبة في أخذ الأمور باستخفاف والاستمتاع الجسدي مع التهرب من التكاليف والمسؤوليات, وذلك مع سيل الفتاوى التي تغمرنا من الفضائيات من أمثال زوج فرند والفتوى باعتبار الخادمات ملك يمين وتحليل معاشرتهن, مما يبيّن أننا ما زلنا ننظر إلى المرأة على أنها سلعة للبيع, واضعين فيها كل عقدنا النفسية وموروثنا المتخلف وفتاوى شيوخنا الأجلاء الذين قال فيهم الشيخ محمد عبده:

ولكنه دين أردت صلاحه ***أحاذر أن تقضى عليه العمائم

الآيات الشيطانية..وقصة الغرانيق

بداية الحديث عمّا قد عرف فى بعض كتب التفسير عن آيات شيطانية يمكن أن يجريها الشيطان على لسان الأنبياء فقد جاء فى الذكر الحكيم "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلاّ إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم آياته والله عليم حكيم" سورة الحج 52
على أن الحديث المفصّل عن هذا الموضوع يستدعى منّا إلقاء نظرة متفحصة عن ما جرى ذكره فى الآية الكريمة من مسألة النسخ فى القرآن الكريم.
*تعريف النسخ:
النسخ فى المعجم يعنى الإزالة مثل قوله (وإذا بدلنا آية مكان آية) "النحل101" ويعنى إصطلاحا رفع الحكم الشرعى بدليل شرعى متأخر.
فعملية النسخ تقتضى وجود منسوخ وهو الحكم السابق للنسخ وناسخ أى الحكم الأحدث والذى أوقع النسخ,ومن أهم أسباب حدوث العلة فى النسخ هو التدرج فى نزول الأحكام حتى إذا تم تهيأة المجتمع للحكم نسخ ما سبقه من أحكام, مثال ذلك التدرج فى حكم الخمر, وأيضا شرع النسخ للتيسير على العباد مثل قوله تعالى( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا.....إلى آخر الآية)
أقسام النسخ:
1 - نسخ التلاوة والحكم معا: مثل ما روته السيدة عائشة عن نسخ آية الرضاع من عشر رضعات مشبعات إلى خمس فقد نسخ حكمها وتلاوتها معا.
2- نسخ التلاوة مع بقاء الحكم: مثل نسخ تلاوة حكم الزا نى المحصن بالرجم نكالا على ما فعلا من القرآن مع بقاء حكمها فى التطبيق.
3- نسخ الحكم وبقاء التلاوة:وهى كثير مثل حكم قيام الليل فى (يا أيها المزمل, قم الليل إلا قليلا....) "المزمل 1-3" والتى نسخت بالآية (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه وطائفة من اللذين معك,والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم, فاقرءوا ما تيسر من القرآن) "المزمل 20" .
وقد أقر سبحانه النسخ فى القرآن اجمالا فى قوله تعالى ( ماننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) "البقرة 106" وقد وضع الفقهاء نصا فى وجوب معرفة الناسخ والمنسوخ لكل من يتصّدى للفتوى من العلماء.
وبعد هذه الإطلالة السريعة على معنى الناسخ والمنسوخ في القرآن نعود إلى ما قيل فى موضوع الغرانيق, ولكن لتعريف معنى كلمة الغرانيق فى اللغة كما جاء فى المعجم } الغرانيق هى جمع غرنوق وهو طير أبيض طويل العنق ,قال ابن الأنبارى"الغرانيق:الذكور من الطير,وأحدها غرنوق وغرنيق,وسمى به لبياضه ,وقيل هو الكركى, وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من الله وتشفع لهم اليه فشبهت بالطيور التى تعلوا وترتفع)انتهى النقل عن لسان العرب"10/86"{.
حديث الغرانيق أورده ابن سعد فى طبقاته الكبرى وابن جرير الطبرى فى تاريخ الرسل والملوك وجلال الدين السيوطى فى الجلالين والشهرستانى فى الملل والنحل والبيهقى فى الدلائل كذلك ابن ابى حاتم والبزاز وابن مردويه وابن تيمية فى الفتاوىوالنحاس فى معانى القرآن والضياء المقدسى فى المختارة وغيرهم كثيرون وقد رويت عن ابن عباس من طرق عدة وعن جماعة من التابعين بأسانيد صحيحة منهم عروة وسعيد بن جبير والضحاك وأبو العالية وأبوبكر بن عبد الرحمن وعكرمة وقتادة ومحمد بن كعب القرظى و محمد بن قيس وغيرهم.

قصة الغرانيق

يقولون أن رسول الله وقد آلمه انفضاض قومه عنه وصدودهم عن دعوته , وكان من شدّة حبه لهم, أحرص الناس على هدايتهم لدين الله, فتمنى أن يأتيه من الله ما يقرب بينه وبينهم, وفى يوم جاءه"الأسود بن المطلب" و"الوليد بن المغيرة" و"أمية بن خلف" و"العاص بن وائل" وهم من زعماء قريش وأسيادها وقالوا له: يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد, وتعبد ما عبدنا فنشترك نحن وأنت فى الأمر, يا محمد انما يجالسك الفقراء والمساكين وضعفاء الناس فلو ذكرت آلهتنا بخير لجالسناك, فان الناس يأتونك من الآفاق.
وقال أبو الوليد وكان كبيرهم: قد عرفنا أن الله يحيى ويميت, وهو الذى يخلق ويرزق,ولكن آلهتنا تلك تشفع لنا عنده,فان جعلت لها نصيبا فنحن معك.
وهكذا كانوا يعرضون على الرسول صفقة, أن يؤمنوا بالله و بالرسالة, مقابل أن يظلوا على توسلهم بالأصنام. فجاء رد الرسول عليهم وحيا فى سورة الكافرين حيث يقول فى جوابهم: (قل يا أيها الكافرون, لا أعبد ما تعبدون, ولا أنتم عابدون ما أعبد) الكافرون1-3
على أن الرسول بقى يراوده الأمل في أن يراهم له مصدقون وكان يقول فى نفسه :ليته ينزل في ذلك أمر يقّربنا من قريش.
وذات يوم وبينما كان رسول الله يتلو القرآن عند الكعبة ويقرأ سورة"النجم" فلما بلغ قوله تعالى:( أفرأيتم اللات والعزّى,ومناة الثالثة الأخرى) "النجم 19-20" أجرى الشيطان على لسانه الجملتين التاليتين:( تلك الغرانيق العلى, منها الشفاعة ترتجى).
وفى رواية أخرى( منها الشفاعة ترتضى).
فلما سمعت ذلك قريش فرحوا وسرهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم ,وقرأ محمدا ما بعدها من آيات, ولما بلغ آية السجدة فيها وختم السورة, سجد هو ومن حضر فى المسجد من المسلمين والمشركين إلا الوليد بن المغيرة لكبر فى سنه,فأخذ بيده من البطحاء فسجد عليها.
وفرح المشركون , وارتفعت نداءاتهم يقولون: لقد ذكر محمد آلهتنا بخير.
ولما كان كل حى من العرب له وثنه, وكان له تلبيته الخاصة حول الكعبة,وكانت تلبية اللات والعزى ومناة هى كما أجراها الشيطان( أرأيتم اللات والعزى, ومناة الثالثة الكبرى, تلك الغرانيق العلى, منها الشفاعة ترتجى) "ابن الكلبى الأصنام ص7" وكانو يزعمون أنهن ملائكة وأنهن بنات الله يشفعن للخلق عنده.
وانتشر نبأ هذه المصالحة وعم بين الناس,وهللت قريش به فى الركبان أن التقارب قد حدث بين رسول الله والمشركين فى مكة, حتى بلغ خبر السجدة المهاجرين فى الحبشة من أصحاب رسول الله, وقيل لهم أسلمت قريش, فقرر منهم رجال العودة الى مكة .
قالوا: فلما أمسى أتاه جبريل عليه السلام فعرض عليه السورة, فلما بلغ الجملتين اللتين ألقى بهما الشيطان عليه قال جبريل: ما جئتك بهاتين لقد تلوت على الناس ما لم آتك به من الله عز وجل ,وقلت ما لم يقل لك , فقال رسول الله :افتريت على الله وقلت ما لم يقل, فأوحى الله اليه (وان كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا اليك لتفترى علينا غيره, إذا لا اتخذوك خليلا, ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا) "الإسراء73-74."
فما زال رسول الله مغموما مكروبا يلوم نفسه أنه افترى على الله الكذب,( وحاشاه أن يفعل ذلك) حتى نزلت عليه الآية الكريمة: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الله في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم )" الحج 52 " يعزيه ويهون عليه الأمر,ويبلغه أن ذلك أمر شاع في الأنبياء قبله, فلم يكن قبله نبي ولا رسول تمنى كما تمنى, ولا أحب كما أحب, إلا والشيطان قد ألقى فى أمنيته , وأجرى على لسانه آيات مثلها , فنسخ الله ما ألقى الشيطان ثم أحكم آياته. فذهب عن رسول الله الحزن .
قالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتكم عند الله فغيّر ذلك وجاء بغيره, وكان ذلك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسوله قد وقعا في فم كل مشرك, فازدادوا شرا على ما كانوا عليه.(تفسير الطبرى131-132 /17_وتاريخ الطبري ط- دار المعارف سنة 1961 338-339/2)

التشكيك فيما جاء فى حديث الغرانيق

شكك بعض المتقدمون و المتأخرون فى صحة هذا الحديث, بل وشكك بعضهم فى القصة برمتها, وقالوا إن هذا إلا محض افتراء على الله ورسوله, أمثال من شكك فى الواقعة من المتقدمين الحافظ بن كثير, والغزالى, والبيهقى ,وابن حزم والقاضى عياض ومن المتأخرين الشيخ محمد عبدة فى التفسير والشيخ ناصر الدين الألبانى فى (نصب المنجانيق, لنسف قصة الغرانيق ) ومجمل اعتراضاتهم تتلخص فيما يلى:
الإعتراض الأول: أن النبى لم يتكلم بهذا القول(تلك الغرانيق العلى) ولا الشيطان تكلم بها ولا أحد, بل كل ما فى الأمر أن الرسول أثناء تلاوته لسورة النجم أشتبه الأمر على الكفار, لرغبتهم فى الأمر فحسبوا بعض ألفاظه ما روى من قولهم.
الإعتراض الثانى: أن ما ذكر هو كلام الشيطان , وأنه تلفظ بها من تلقاء نفسه وأنزلها فى داخل التلاوة, ليظن الكفار أن الكلام لرسول الله, وأن الذين سمعوه لم يروا أحدا فظنوا أن الذى ينطق هو رسول الله.
الإعتراض الثالث: قالوا أن رسول الله قال هذه الجملة( تلك الغرانيق العلا) سهوا كما روى عن قتادة ومقاتل- من الصحابة- أنهما قالا "أنه (ص) كان يصلى عند المقام, فنعس وجرى على لسانه هاتان الكلمتان (تلك الغرانيق العلا, منها الشفاعة ترتجى) فلما فرغ من السورة, سجد وسجد كل من فى المسجد, فأتاه جبريل فاستقرأه السورة, فلما إنتهى من(أفرأيتم اللات والعزى, ومناة الثالثة الأخرى,تلك الغرانيق العلى, إن شفاعتهن لترتجى) قال جبريل : لم آتيك بهذا, فحزن الرسول إلى أن نزلت سورة الحج.
الإعتراض الرابع: إن النبى تكلم بهذه الكلمات بفعل الشيطان حسب رواية إبن عباس( قال إبن عباس فى رواية عطا: إن شيطان يقال له الأبيض, أتى النبى على صورة جبريل, وألقى على لسانه هذه الكلمات" تلك الغرانيق العلى" فلما بلغ تلك الجملة قال جبريل: أنا ما جئتك بذلك, فحزن الرسول وقال أتانى على صورتك فألقاها على لسانى.
الأعتراض الخامس: أن الرسول تكلم بهذه الكلمات مجبرا,أى أن الشيطان أجبر الرسول على ذلك.
الإعتراض السادس: إن الرسول لشدة حرصه على إيمان القوم من أهله أدخل هذه الكلمات من تلقاء نفسه ثم رجع عنها.
وللتعليق على ما ورد من اعتراضات, يمكن القول:
1-من الصعب التصديق بوقوع الوهم فى السماع لجميع من كان بالمسجد, وليس لآحاد منهم.
2- انه لو تم تصديق أن يكون الشيطان قد قلّد صوت الرسول حتى ليختلط على السامعين, فلا يستطيعون التمييز بين صوت الرسول وصوت الشيطان, لهو أمر خطير إذا جاز فانه يرفع الثقة عن القرآن جميعا.
3- لو جاز عن النبي السهو لجاز في مواضع أخرى بحيث يختلط القرآن يبعضه, وهذا طعن خطير على القرآن الكريم.
4- إن ما قيل عن إجبار الشيطان للرسول على قول كلام لا يود قوله, يضعف الثقة في قدرة آحاد الناس على صد الشيطان, ويرفع الثقة عن الوحي.
5- كما أنه من الخطأ الشديد القول بعدم تمييز الرسول بين جبريل والشيطان, فذلك خلط فادح, وطعن في الوحي عظيم.
6- كما لا يمكن تصور أن يدخل الرسول من عنده أي كلمة في القرآن, فما بالك بمثل هذا الذي قيل.
بقى أن نقول في ذلك كلمات:
(الأولى) أنه من الأفضل أن نقر بصحة حادثة الغرانيق بدلا من الدفاع الساذج الذي يضّر بمصداقية الوحى والرسول والكتاب أكثر مما ينفع.
(الثانية) حتى لو حاولوا التشكيك فى بعض رواة القصة لكن معظم الرواة لا يمكن الطعن فيهم مثل البّرى والسيوطي والرازي, خاصة من نقلوها وحاولوا تبريرها بالخطأ أو السهو كقتادة ومقاتل والياس.
(الثالثة) إن تقييد ما جاء في آية الحج من قوله تعالى(وما أرسلنا من قبلك من رسول أو نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته...... الى آخر الآية) بحادث محدد في ذكره, يعنى أن يكف الآخرين عن التقول بعموم الحالة.
(الرابعة) القول بأن الله تعالى قد تكفل بحفظ كتابه المحفوظ من العبث به في قوله "انا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" وأنه ينطبق على هذه القصة فهذا صحيح, بمعنى أنه لو حاول انس أو جن التلاعب بكلام الله "فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم آياته".
( الخامسة) أما الذين يحتجون بالآية الكريمة(وما ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحى يوحى) بأن كل كلام الرسول (ص) وحيا, ليسوا على صواب, فقد كان الصحابة يفرقون بين الأمرين, حين يسألون أهو خبر السماء, أم الحرب والرأي والمشورة, وماذا يقول هؤلاء في حديث تأبير النخيل, فهل كان وحيا كذلك.
وختاما أقول أن تصديق ما روى أقرب إلى العقل والمنطق المستقيم, بدلا من التضارب الفارغ الذي يسيء للدعوة, والحديث العقيم عن سهو أو نعاس أو شيطان يقال له الأبيض لا تنفعهم ولا تنطلي على ذي فهم:
" فليس هبل كمناه ,,,,,,,,,,,,,,,,وليست أساف كنائلة"

اليسار المصرى......وسؤال الأزمة


تبدو أزمة اليسار المصرى أزمة بنيوية رافقته منذ نشأته حتى الآن، ولكن أزمته الكبرى نشأت منذ حوالى عقدين من السنين بعد إنفراط عقد المنظومة الإشتراكية وتفكك وزوال الإتحاد السوفيتى، حيث فقد هذا اليسار وبشكل نهائى ركيزته الأولى على المستوى العالمى على المستويين المادى والفكرى، وانهارت التجربة التى كان يتغنى بها أمام خصومه ومريديه، فقد ارتبط هذا اليسار ( وأقصد اليسار الشيوعى تحديدا) منذ ولادته عضويا بهذا الجسم، بل أن إنتصار الثورة الشيوعية فى 1917 كانت هى الشرارة الأولى للحركة الشيوعية فى مصر وفى أقطار أخرى عديدة، فتشكل فى مصر الحزب الإشتراكى المصرى بعد أقل من ثلاث سنوات من سيطرة الشيوعيون على السلطة فى موسكو ليغير اسمه بعد اقل من عام الى الحزب الشيوعى بناءا على ضغط من المركز وذلك للسماح له للإنضمام الى الأممية الثالثة، وهكذا كانت الأطراف فى العموم (خاصة الضعيفة منها) فى إرتباط تنظيمى قسرى بالمركز مشكلة بذور هذه الأزمة البنيوية.

و كانت احدى الأزمات المبكرة للحزب الوليد هى إنشقاق جزأ هام من قيادته وقاعدييه وعلى رأسهم المفكر الكبير "سلامة موسى" إحتجاجا على هذا النهج، واستمرت المجموعة التى سمت نفسها بالبلشفية فى قيادة الحزب مستلهمة آراء القادة السوفييت فى رسم التناقضات الداخلية فى مصر وعلى رأسها الموقف الصدامى من حزب الوفد ذو الجماهيرية الساحقة والمهيمن على الشارع المصرى مما ساهم فى توجيه ضربة قاضية الى هذا الحزب الوليد فى عام 1924 بعد وصول حزب الوفد للسلطة.

ويمكن تقسيم تاريخ الحركة الشيوعية فى مصر الى عدة حلقات غير محددة بفترة زمنية قاطعة ولكنها تجاوزا كالآتى:

الحلقة الأولى : من بدايات القرن العشرين وحتى تصفية الحزب الشيوعى فى 1924

الحلقة الثانية: من نهايات الثلاثينيات (بداية الحرب العالمية الثانية) وحتى قرار حل الحزب الشيوعى المصرى الموحد فى عام 1965

الحلقة الثالثة : وتبدأ من هزيمة 1967 وحتى نهايات الثمانيات( سقوط الإتحاد السوفييتى).

الحلقة الرابعة: وما زالت جنينية وفى طور التشكل مع بداية الألفية الثالثة وحتى الآن.

وكما ذكرت فإن هذا التقسيم افتراضى حيث لا توجد فواصل قاطعة بين كل حلقة وأخرى ويمكن النظر اليها كموجات من المد والجزر أثرت وتأثرت بالظروف الوضوعية فى المجتمع وللحقيقة فإن اكثر هذه الحلقات تأثيرا وتجذرا كانت تلك الحلقة التى واكبت الحرب الكونية الثانية وحتى منتصف الستينات ( الحلقة الثانية )، و على وجه العموم فأنا لا أقصد التأريخ لتطور الحركة الشيوعية فذلك ليس مجالى ولكن البحث فى الموضوع من منظور الأزمة.

ان الظرف الراهن والحراك الإجتماعى المتسارع فى اطار حركة شعبية مطلبية غير مسبوقة وخاصة من جانب الطبقة العاملة تذكرنا بالأوضاع فى مصر عقب نهاية الحرب الثانية وقبيل الثورة وما صاحب هذه الفترة من قلاقل وفورات شملت معظم قطاعات المجتمع من عمال وفلاحين وطلاب وموظفين وحتى قوى الأمن لم تسلم منها وتمثل ذلك فى مظاهرات بلوكات النظام، وتذكرنا هذه المرحلة أيضا بنهاية الثمانينات فى أوروبا الشرقية والثورات المتتالية ضد أنظمة القمع البوليسية.

و الوضع الحالى يتميز بسيطرة نظام حكم متخلف، مع سيطرة مطلقة لكبار رجال الأعمال عليه و مرتبط بشكل عضوى بالمنظومة الإمبريالية وعلى راسها الولايات المتحدة وغارق فى الفساد حتى اذنيه بينما الأغلبية الساحقة تعيش تحت خط الفقر فى ظروف اقتصادية بالغة السوء ولا تملك الا الثورة على هذه الأوضاع المهينة فى شكل حركة غير مسبوقة من الإحتجاجات والإضرابات والإعتصامات على أبواب البرلمان بشقيه الشعب والشورى ومجلس الوزراء وسلالم النقابات وفى أماكن عملها منتزعة حقها فى الإضراب والإعتصام من أنياب السلطة.

وفى ظل غياب مريب وعجز شبه كامل للمعارضة التقليدية ممثلة فى الأحزاب الرسمية اليسارية ( التجمع والناصري) والليبرالية ( الوفد والجبهة ومن لف لفهم ) وحتى الإخوان المسلمين القوة الأكثر تنظيما بتاريخهم الطويل فى المراوغة وعقد الصفقات والذين ترتبط معظم تحركاتهم بقضايا خارجية لا تزعج النظام كثيرا مثل الدفاع عن الأقصى ومناصرة فرعهم فى غزة "حماس"، ناهيك عن قضايا عابرة للقارات مثل موضوع الرسوم المسيئة.

فى ظل هذه الأوضاع المتردية وغياب اليسار المنظم عن الساحة وتشرذم بقاياه القديمة التى تجاوزها الزمن، فإنه تبقى لليسار فرصة تاريخية قد تمكنه اذا احسن استخدامها ان يجد له موضع قدم على الأرض، وتتمثل هذه الفرصة فى وجود عاملين:

العامل الأول: هو الحراك العمالى المطلبى ذو الطابع الإقتصادى والإجتماعى المتصاعد منذ ثلاث سنوات والذى ينفرد اليسار بالتماس معه

العامل الثانى: هو شعار العدالة الاجتماعية بمفهومها الطبقى والذى يتميز به اليسار كونه جزء اساسى من رؤيته وتوجهه السياسى

لذا فإن اليسار بإمكانه إذا أحسن إستغلال هذا الشعار والعمل على الإلتحام بهذه الحركة الوليدة والصاعدة أن يرسخ قدميه مرة أخرى فى الواقع، و أعنى هنا اليسار الجديد والمتمثل فى الحركات الشبابية الجديدة من الناشطين على الإنترنت وحركة الإحتجاجات الإجتماعية المتصاعدة و ملتحمين بالإضرابات والإعتصامات والوقفات الإحتجاجية التى لعبت الدور الأساسى فى نهوض اليسار فى أكثر من دولة بأمريكا اللاتينية والتى إستطاعت فى النهاية أن تشكل من خلال العمل الجماهيرى أحزابا ثورية فى هذه البلدان إستطاعت الإطاحة بالنظم الرجعية الحاكمة.

لا يعنى مما تقدم محاولة التقليل من أهمية التنظيم الثورى فكما قال لينين فإنه لا حركة ثورية بدون حزب ثورى وأن بناء الحزب هو المسألة الأصعب ولكن بناء هذا الحزب لا يتم فى الغرف المغلقة وتدبيج خط سياسى نظرى من استلهام أفكار طبقت فى دول وظروف مختلفة، ونعود الى لينين فى كلماته القاطعة " إن الماركسية هى مرشد للعمل وليست عقيدة جامدة "وفى رسالته الى شعوب الشرق" لن تجدوا فى الكتب إجابة لأسإلتكم".

إن أزمة حركات بدأت بشكل جماهيرى ثم سرعان ما انتكست مثل "كفاية" كانت فى انها ومنذ بداياتها الأولى نشأت من الحركة بين الجماهير ولكن ظلت عينها تنظر الى أعلى باتجاه الأشكال التقليدية القائمة فى محاولة الجمع بين الأضداد فى خليط عجيب غير متجانس من يساريين وليبراليين واسلاميين وانتهت بالسقوط فى يد قيادة اقل ما يقال عنها انها قيادة شوفينية ثيوقراطية (المسيرى ).

إن ما يعرف باليسار التقليدى أو بقايا الحلقة الثانية والثالثة قد تبخروا تقريبا حتى قبل انهيار الإتحاد السوفيتى والتحق عدد منهم بالإمبريالية وآخرين تأسلموا وارتمى بعضهم فى أحضان السلطة وتفرق معظمهم على حركات حقوق الإنسان ومراكز الأبحاث الغربية والأحزاب البرجوازية " الغد والجبهة والكرامة .. وغيرها" وفى أحسن الأحوال بقى جزء منهم فى حزب التجمع الذى ما زال يحلم برأسمالية الدولة ويلهث لإستجداء بضعة مقاعد فى البرلمان من الحزب الوطنى، وحتى البعض خارج هذه الأحزاب ما زال يحاول احياء هذه الأشكال المهترئة من خلال اقامة دكاكين صورية لا تتجاوز عتبة المنظرين لها فى محاولة للبحث عن سبوبة للإرتزاق .

إن الظرف الذى نعيشه الآن مختلف تماما عما كان فى النصف الأخير من القرن الماضى، ولسنا سلفيين حتى نحاول احياء هذا الماضى، فأدوات العولمة وثورة الإتصالات تقتحم علينا كل أوجه الحياة، والثنائية القطبية لم يعد لها وجود، والحديث الذى كان يقال أن القرن العشرين هو عصر الإنتقال من الرأسمالية الى الشيوعية انتهى بكابوس نهاية التاريخ، والعودة الى ما يقرب من نقطة الصفر، والحلم السوفيتى انهار كاشفا عن أسوأ ما أنتجته الستالينية ووجدنا تحت الغطاء مجتمع المافيا وتصدير العاهرات.

حتى بعد هذا السقوط المدوى لم يتعلم الشيوعيين من الدرس شيئا، فلا توجد حتى الآن دراسة محترمة تبين لنا أسباب ما حدث، ولا توجد مراجعة جادة للأفكار السابقة، وما زال البعض يردد ببغائية مقولات ديكتاتورية البروليتاريا والرأسمالية تنتج حفارى قبرها دون الإهتمام بالمقولة اللينينية ( تحليل ملموس للواقع الملموس ).

لا يستطيع احد منا ادعاء الحكمة بأثر رجعى ولا الحكم على مواقف الآخرين بمنظور متأخر، ولكن فى تقديرى أن أكبر خطأين وقع فيهم الشيوعيون عموما حتى المختلفون منهم كان الإنحياز المطلق لمواقف المركز (حتى بعد حل الأممية الثالثة بطلب من النظام الرأسمالى "الحلفاء")، فقد وضع الشيوعيون على رأس أجندتهم الدفاع عن بناء الإشتراكية فى الوطن الأم وأصبحوا فى الأغلب متلقين لتعليمات وليس لأفكار المركز، خذ مثلا قضية الصراع العربى الإسرائيلى فقد تبنى الشيوعيين الموقف السوفيتى من قرار التقسيم بشكل تلقائى دون مناقشة، وبغض النظر عن مدى صحة هذا الموقف من عدمه فلم يكن مطلوبا حينها الإنعزال عن الجماهير الغاضبة والمؤيدة للكفاح المسلح، كذلك فى موضوع الوحدة مع سوريا و الموقف من ثورة يوليو عندما كان الشيوعيون يتذبذبون بين الرفض التام والتأييد المطلق حسب ما يرى القابعون فى الكرملين، وما محاولات إحياء الأممية مرة أخرى من خلال نظام تشافيز فى فنزويلا بعقد مؤتمر فى كاراكاس بحضور 50 منظمة يسارية2009 لتشكيل أممية خامسة الا صورة جديدة من صور الهيمنة فقد تعلمنا أن الذى يمول هو من يفرض رؤيته دائما.

الخطأ الثانى كان فى جرثومة التفتت التى ولدت مع هذه الحركة وخاصة فى أوقات الجذر، وأصبح هم الشيوعيين وجزء كبير من جهدهم طوال الوقت هو النضال من اجل التوحد، وكان ذلك يتم فى معظمه بأساليب فوقية وبنظام المحاصصة، الذى سرعان ما ينفرط تاركا خلفه معارك وجروح لا تندمل، ليعود التشرذم اكثر مما كان.

لقد اتاحت السرية التى طبعت التنظيمات الشيوعية تاريخيا فرصة لفرض صورة بغيضة من الدكتاتورية على أعضائها بحجة المركزية الديموقراطية والتى احتفظت دائما بالشق الأول منها، وحاولت السيطرة على تنظيماتها بصورة مطلقة من خلال نظام الإحتراف الثورى والذى تحول الى طوق فى رقاب أفضل الكوادر لديهم، وإن احتفظت السرية دائما والعمل تحت الأرض والأسماء الحركية بسحرها وجاذبيتها لدى الثوريين و كانت تخفى دائما حجمهم الحقيقى، واستعاضوا عن توجههم للشارع بنشرات صفراء لا يقرؤها الا اعضاءها فقط بل واتاحت للسلطات الحاكمة القيام بالعنف والإرهاب والتضليل ضدهم وزرع العملاء بينهم، وهذا ليس موقفا مطلقا من السرية ولكن يجب ان تبنى السرية على معايير موضوعية ولا تكون هدفا فى حد ذاتها.

للأسف الشديد لقد ازدهرت الأفكار والحركات السلفية على حساب انسحاب اليسار من الساحة واستخدمتها السلطة كمخلب قط لها فى وجه اليسار والحركات القومية التى هزم مشروعها فى عام 1967 وخرج مناضليها من المعركة منسحقين أمام سيطرة هذه الأفكار وبدلا من ان يعملوا للنضال ضدها نجد قطاعا كبيرا منهم يغازلها ويدعو الى التنسيق معها بدلا من العمل مع الجماهيرلإستعادة المبادرة منهم، ويضمننون فى برامجهم أفكارا يمكن تأويلها غير مستفيدين من بعض التجارب التاريخية عندما كان الحزب الوطنى القديم يسجل فى صدر لائحته ( نحن حزب لا دينى )، هذه الحركات السلفية بمختلف أطيافها لا تملك برنامجا للعمل سوى شعارات غائمة من قبيل الإسلام هو الحل بدون حتى معرفة ما هو السؤال حتى تكون تلك إجابته؟.

إن اليسار وحده هو الذى يملك برنامجا واضحا للحل من خلال البعد الإجتماعى لهذا البرنامج وطرح شعار العدالة الإجتماعية والموقف الواضح من قضايا المرأة والأقباط، والنضال ضد الرأسمالية المتوحشة والإمبريالية، وهو اى اليسار ببعض رموزه من يتلامس حقيقة مع الحركات العمالية الإجتماعية الناهضة ويسعى لتجذير مطالبها وإكسابها وعيا طبقيا من خلال السعى لبناء النقابات المستقلة وليس فقط التعاطف مع ظروفها القاسية وكما قال جرامشى ( إن الوعى الطبقى لا يشكله فقط الحرمان والجوع والإضطهاد ).

يقول جرامشى فى مكان آخر ( عندما تشيخ الرأسمالية وتعجز الثورة عن الإشتعال يكون المجتمع مريضا ) ، وما يحدث الآن فى حقيقته ليس مرضا وحسب ولكنه إحتضار، وما نحتاجه الآن ليس علاجا ولكن اعادة احياء لهذا الجسد المحتضر، ولا يوجد أمل فى تقديرى الا فى المراهنة على هذا الجيل الجديد من الشباب الذى يندفع بجسارة فى الميدان من أمثال حركات 6 إبريل والإشتراكيين الثوريين وعايز حقى وشباب الجمعية الوطنية للتغيير وكل المجموعات المتشكلة ليس فقط على فراغ الإنترنت بل فى الشارع والعمل الجماهيرى أيضا.

علمانيون فى ثوب إسلامى

ليس جديدا ما يقوم به قطاع لا بأس به من المثقفين ذوى الأصول اليسارية والليبرالية ممن يعرّفون أنفسهم بالعلمانيين بمحاولة إقحام أنفسهم فى الجدل الدائر بين الدينيين وخاصة الإسلاميين منهم لفرض تفسير للإسلام أكثر حداثة وإستنارة، ويقاتلون فى سبيل ذلك بكل ما أوتوا من قوة، وكأنما هو فرض عين أو "جهاد" كتب عليهم، معّرضين أنفسهم لمختلف أنواع التهديد، أبسطه المقاضاة فى المحاكم، ومصادرة كتاباتهم مرورا بإتهامهم بالإلحاد ومحاولة تطبيق الحسبة عليهم وتطليق زوجاتهم منهم، ليصل الأمر الى التهديد بالقتل، وربما تنفيذ هذا التهديد فعليا إما بالإغتيال كما حدث للمفكر" فرج فودة "، أو بالإعدام كم حدث مع " محمود طه " فى السودان.

وهناك أمثلة كثيرة للخلافات فى تاريخ الدولة الإسلامية منذ بداية الصراع على السلطة فى سقيفة بنى ساعدة مرورا بالفتنة الكبرى ومصرع الخليفة الثالث "عثمان بن عفان" الى القتال بين على ومعاوية، وخروج السيدة عائشة وطلحة والزبير لحرب الإمام على ، والتحكيم وإنشقاق الخوارج وحربهم ضد الإمام على، وما حدث بعد ذلك من ظهور الفرق المختلفة ونشاطها فى مواجهة الدولة وفى مواجهة بعضها البعض، والتكفير بالكبيرة والصغيرة و المعصية، وإثارة قضايا وهمية لتأجيج هذه العداوات مثل قضية خلق القرآن، والصراع بين المتكلمة والمعتزلة، وقتل المخالفين كإبن المقفع والحلاّج وغيلان الدمشقى وغيرهم.

ولكن ما كان يحدث فى ذلك الوقت كان مختلفا عما يحدث الآن، فقد كان الخلاف أو الصراع على أرضية واحدة، وله مرجعية واحدة، كان بالأساس خلاف سياسى يتم الباسه لباسا فقهيا ودينيا، بينما ما يحدث فى الوقت الحالى هو أن البعض من ذوى المرجعية العلمانية خارج الاطار الدينى يعملون بجهد لإعادة تفسير الأصول الدينية لإثبات أن الإسلام فى جوهره هو دين تقدمى لا يعادى المنطق السليم ويقف فى صف الحريات الفكرية وحقوق الإنسان وتحرر المرأة والأقليات الدينية ، معتمدين فى مواقفهم بشكل أساسى على المرحلة المكية حينما كان الدين لا يزال ضعيفا ويحاور الرسول المشركين من داخل ديارهم باللين والموعظة الحسنة، حيثما تكثر الإشارات الى الحقوق الفكرية للآخر فى الإختلاف والتسامح وعدم الإكراه فى الدين، ولكن سرعان ما تغيرت هذه المعادلة إبّان "دولة الرسول" بالمدينة، بعد أن تقّوى المسلمون خارج سيطرة قريش، وتغير مفهوم الدعوة الى الدين بحمل السيف والجهاد فى مواجهة الكفار، عندئذ تغير الخطاب الدينى الى لغة المنابذة واللجاجة فى الخصام والعوة الى نفى الآخر، وشن الغزوات على مشركى قريش وحلفائهم، والعمل على إستئصال اليهود من يثرب.

بهذا المعنى يصبح خلاف العلمانيين مع الإسلاميين حول ماهية الإسلام، ومحاولة إظهار الوجه الناصع للإسلام بالمعنى العصرى، وبالتأكيد القاطع لن يكون للعلمانيين الكلمة الفصل فى تحديد المفهوم الحقيقى للإسلام، بل يؤدى ذلك الى مزيد من التنازلات من جانب العلمانيين لإثبات أنهم مسلمون حقيقيون يؤمنون بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر وما أنزله على عبده.

دعنى أكون أكثر تحديدا فى هذا الشأن، وأتحدث فيما أعرف أو أحاول أن أعرف، ما أقصده هنا هو الإسلام السنى والذى يصبغ المنطقة العربية بشكل عام، هذا التيار الدينى العريض الذى آل فى تجلياته الى ما يعرف بالإسلام الوسطى والذى يؤمن به أغلب سكان منطقتنا وتمثله التيارات الدينية الواسعة الإنتشار كالسلفيين والمتصوفين والإخوان وأنصار السنة ومن لف لفهم، هؤلاء الذين وقف فهمهم للدين بعد الإنحدار الذى وصلنا اليه الى إختزال القرآن فى آيات الأحكام وإختزال الدين فى الفقه، وإختزال التراث الإسلامى الذاخر فى الدين والتدين والشكليات، مبتعدين عن اشراقات اسلافهم فى الفن والموسيقى والفلسفة ومختلف جوانب الحياة.

لقد أدى فشل المشروع القومى وما آلت اليه حركة التحرر الوطنى العربية وخاصة بعد هزيمة 67 وانهيار الإتحاد السوفيتى الى تراجع حاد للأفكار القومية والى صعود للتيارات الإسلامية بمختلف تلاوينها وتغلغلها فى الشارع العربى والإسلامى مما أدى الى إرتباك شديد فى الجانب العلمانى المتمثل فى الأفكار والرؤى اليسارية والقومية والحركات الوطنية عموما مما دفع البعض الى الإنحياز بشكل كامل الى الجانب الآخر من أمثال مفكرين قوميين مثل محمد عمارة وطارق البشرى وماركسيين سابقين مثل المرحوم عادل حسين ومحاولة البعض الآخر التنظير لوجه أكثر إستنارة للإسلام كما يفعل أمثال سيد القمنى وسعيد العشماوى ونصر أبو زيد وآخرين، بينما تحول شيوعيون أقحاف مثل الدكتور رفعت السعيد الى الهجوم الحاد والمستمر على أفكار وممثلى التيار الإسلامى مضيعيين وقتهم وجهودهم ولكنهم للأسف يستدرجين الى الهجوم من نفس الخندق محاولين المزايدة على هذا التيار بأنه يشوه الإسلام ولا يعبر عن الوجه الصحيح له، بما يعكس ازمة حقيقية لهذا التيار وكأنما فقد القدرة الفعلية على التعبير عن نفسه أو إثبات وجوده الا من خلال مناوأة هذه الأفكار.

إن محاولة الرد على أفكار فصيل مثل الإخوان المسلمين والتى عبّر عنها مؤسسه "حسن البنا" بالقول ( إن الإسلام دين ودولة، مصحف وسيف)، هذه المقولة التى يعززها الكتاب والسنة والتاريخ، بالقول أن البنا كان ارهابيا أو خارجا على صحيح الدين، كلام لا يجد آذانا صاغية فى الشارع المتدين، الذى يتشكل وعيه الدينى من آراء الفقهاء والمشايخ وخطباء الجمعة بعيدا عما يقوله العلمانيين وفى رأيى المتواضع أن تأثير كلام شخص مثل أحمد رائف من داخل الجماعة هو أقوى بعشرات المرات من كل ما يدبجة قلم مفكر مثل الدكتور رفعت السعيد مع احترامى له، ولعل رأى الكاتبة المغربية "رجاء بن سلامة" (كنت أعتقد دائما أنّ شأن المجادلين للإسلاميّين من داخل المنظومة العقائديّة والفقهيّة هو شأن النّائميْن في فراش واحد ولهما غطاء واحد، فكلّ منهما يجذبه إلى نفسه) هو الأصدق تعبيرا عن هذا الواقع.

وأحيانا ينجرّ هؤلاء العلمانيين الى البحث عن ثغرات ربما تكون موجودة وحقيقية فى بعض أحكام الإسلام أو فى تاريخ الرسول والخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين والصحابة، للغمز والنيل من هذه الشخصيات بشكل يبدو خبيثا، مما يؤدى الى تصويرهم للشارع كمن يحاولون الصيد فى الماء العكر، ويدلل الإسلاميين على ذلك بإحتفاء المواقع المعادية للإسلام وأصحاب الديانات الأخرى بمثل هذه الكتابات والسعى الى نشرها بصورة واسعة.

ولعل أوضح الأمثلة على هذه الإشكالية هى الموقف من الحجاب، فبينما يجادل العلمانيون أن الإسلام لم يفرض زيا معينا على المرأة، بل كان يخاطب أمهات المسلمين فقط بما ذكر فى القرآن من القول (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيْمَاً ) وربما أدى جدل العلمانيين حول هذه المسألة ولجوء أصحابها إلى قراءة النصّ القرآنيّ وتأويل مفهوم الحشمة المقصود فيه، وهذه التأويلات لا تصمد برمّتها من الناحية الفعليّة أمام فتوى لشيخ كالقرضاوى أو مفتى الجمهورية أو غيره يذكر فيها بشرعية الحجاب واعتباره فرضا دينيا الى تبخر مثل هذه الأقوال، وما استفحال ظاهرة الحجاب وانتشار النقاب فى المجتمع بالشكل الذى لا تخطأه عين الا دليلا على فشل كل محاولات التصدى لهذه الظاهرة من العلمانيين، لنتذكّرْ هنا أنّ قضيّة الحجاب لا تنطلق عند أصحابها من قضيّة الحقّ بل الامتثال للتكليف، أما تحوّلها مؤخراً إلى ظاهرة فيتعلّق ببنائها كرمز ثقافيّ سياسيّ ينطوي على هيمنة الإسلام على الحياة العامّة.

إن الواقع المعاش، والأوضاع الإقتصادية هى من يلعب الدور الرئيسى فى مواجهة مثل هذه الدعاوى، ومّما لا شكّ فيه أنّ الفتاوى الكثيرة التي منعت عمل المرأة أصبحت غير مؤثّرة إن لم نقل لاغية، وقس على ذلك حقوق المرأة السياسية وقضايا مثل الولاية الكبرى وتولى المرأة القضاء وغيرها تنسحب أمام التطور التاريخى الحتمى، بل ان الكثير من الفتاوى على سبيل المثال فتوى ابن باز بتحريم القول بدوران الأرض حول الشّمس، فهي تتطلّب من العامل بها درجة عالية من الأمّيّة العلميّة، أو درجة أعلى من إنكار ما ثبت للبشريّة جمعاء منذ عدّة قرون، مما يلغى عمليا مثل هذه الترهات.

لقد علمونا كأطباء ان لا ندخل فى جدال دينى حول الكثير من الموضوعات مثل قضية تنظيم الأسرة، بل ان نذكر فقط الحقائق العلمية حول المشاكل المترتبة على تعدد الولادات على صحة الأم والجنين والوضع الإقتصادى للأسرة دون الإستدراج لمناقشات دينية عقيمة، وهذا فى رأيى أحد أسباب نجاح هذا البرنامج.

إن القول بأن الجهد المبذول من العلمانيين فى محاولة إبراز صورة مشرقة للإسلام قد تؤثر ايجابا فى موقف الإسلاميين هو قول خاطيئ، فذلك يؤدى فى الحقيقة الى مزيد من الجفوة، وتخندق كل من الطرفين حول مواقفه، إن تغيير المواقف يأتى أساسا من داخل الظاهرة لا من خارجها، وما حركة الإصلاح الإسلامى فى بدايات القرن الماضى ما كانت لتتم الا على يد مجدد مثل الشيخ محمد عبدة الذى يذكر المؤرخون أنه وأحمد لطفى السيد كانا وراء كتابى قاسم أمين، وإن سلسلة المراجعات التى يقوم بها منظرى الجماعات الدينية لأقوى ألف مرّة مما يكتب سيد القمنى وزملائه .

إن الحل فى نظرى ليس بالإنجرار وراء فتاوى رديئة كرضاع الكبير وبول الرسول تسقط من تلقاء نفسها، ولكن فى طرح سياسى علمى، وجهد حقيقى يرتكز على الحقائق العلمية وحقوق الإنسان والمواطنة وطرح رؤية مستقبلية تحترم عقول الناس ولا تدغدغ مشاعرهم، بدلا من محاولة جذب الغطاء .