Friday, May 14, 2010

ثلاثة فلسطينين فى مصر


3- فتحى الشقاقى....مؤسس وقائد حركة الجهاد الإسلامى

حفلت السبعينيات من القرن الماضى بحراك سياسى هائل وخاصة على مستوى الحركات الراديكالية والثورية فى مصر والعالم العربى، جاء ذلك تحديدا كرد فعل على الهزيمة الوخيمة التى وقعت فى 1967 وضياع ما تبقى من فلسطين، الى جوار احتلال اسرائيل لأراض عربية كبيرة من دولتين عربيتين كانتا تتصدران تيار العروبة وقتها، مصر وسوريا.

كان وقع الهزيمة على الشباب العربى مريرا، هذا الجيل الذى عاش وهم الإنتصار السريع على إسرائيل، وصوروها له على أنها دولة هشّة، تتكون من مجموعة من العصابات، وأن الحرب لن تكون الاّ نزهة سريعة، وأن الموعد فى "تل أبيب" غدا، كما كانت تصدح الأغانى، وشاهدوا كيف كان الإنتصار الإسرائيلى السريع وهزيمة المشروع القومى مذلة ومدمرة.

لقد أحدثت النكسة (كما سماها عبد الناصر) شرخا عميقا فى وجدان ذلك الجيل، ومنهم بالطبع الفلسطينيون، أصحاب القضية العربية المركزية، والذين ضاعت جميع أحلامهم فى لحظات، لتكتمل نكبة 48 ويفقدوا ما تبقى من أرضهم، وينتهى الحال بهم الى مرحلة جديدة من اللجوء و الضياع والتشرد، ومن عمق هذه المأساة جاءت محاولة البحث عن المخرج، ولم يكن الشقاقى إبن الستة عشر ربيعا المحمل بالافكار الناصرية بعيدا عن ذلك.

نشأته:

ولد فتحى إبراهيم عبد العزيز الشقاقى فى مخيم رفح بقطاع غزة فى عام 1951 ( لم أعثرعلى تاريخ الميلاد بالضبط)، من أسرة نازحة من قرية "الزرنوقة" إحدى قرى قضاء يافا بفلسطين، كان أبوه عاملا بسيطا، ذو خلفية دينية سلفية اهلته لإعتلاء المنبر فى خطب الجمعة، وكان فتحى الإبن البكر لهذا الرجل، ماتت أمه التى تعلق بها كثيرا وهو فى الخامسة عشر من العمر، مما ترك أثرا عميقا عليه طوال حياته، أكمل دراسته للرياضيات بجامعة "بير زيت" بالضفة، وعمل بالتدريس بالقدس لفترة قصيرة، ولكن طموحه دفعه للعودة الى مقاعد الدراسة ليحصل على الثانوية العامة مجددا، وحصل على مجموعكبير، مما أهله للإلتحاق بكلية الطب بجامعة الزقازيق إحدى الجامعات الإقليمية بجمهورية مصر العربية، حيث كانت بالنسبة له فرصة للإحتكاك بتيارات سياسية متعددة أعادت تكوينه ثقافيا وفكريا، ومهدت الطريق لتحقيق هدفه من أجل قضيته التى يحملها بين جنباته.

المناخ:

كان مناخ الهزيمة هو الطابع العام لهذه الحقبة "حقبة السبعينات"، وكانت الفرصة لإنتشار التظيمات السرية والنصف علنية التى تدعو الى التغيير والثورة، وتشبه السبعينات "حقبة الأربعينات" فى مصر، ففى أعقاب الحرب العالمية الثانية وإنتصار الحلفاء، وأثناء وبعد هذه الحرب الكونية، خرجت عشرات التنظيمات الشيوعية والقومية ذات الطابع الشوفينى والدينية لتعلن عن نفسها، وتكررت صدامات الشوارع بين السلطة والشعب، وحدث أكبر الصدامات بين الطلبة والنظام فى حادث كوبرى عباس، وانتهت هذه الحقبة بالحريق الذى التهم القاهرة فى عز الظهر.

كان المناخ فى السبعينيات مشابها، المنظمات الشيوعية التى أعيد بناؤها تسعى للتواجد بقوة فى الجامعات وبين العمال، والجماعات الإسلامية تتقوى بالنظام لتنتشر وبقوة فى الأحياء الشعبية والجامعات، والإخوان المسلمين بعد خروجهم من المعتقلات يعيدون تنظيم صفوفهم وإصدار جريدتهم" الدعوة"، قبل حرب 73 كانت الجامعات تغلى مطالبة بالحرب الشعبية، شعار اليسار المفضل، وانضم لحركتهم المثقفون والنقابات المهنية، وصدرت عشرات البيانات تدين تخاذل النظام، وفى العام التالى للحرب كانت بروفة الإنقلاب العسكرى للتيار السلفى الجهادى فيما عرف بقضية الفنية العسكرية، لتتصاعد الأحداث بإنتفاضة غير مسبوقة فى تاريخ مصر فى يناير 1977.

كانت المنظمات والحركات الفلسطينية بمختلف أطيافها تتواجد بقوة بين طلاب الجامعات الفلسطينيين الدارسين فى مصر، وذلك على إلتحام مع الطلاب المصريين الثائرين، وبرزت أسماء فلسطينية عديدة فى القاهرة منهم "مازن أبو غزالة" بطل وشهيد عملية طوباس الذى رثاه الكثيرمن اصدقائه مثل أمل دنقل وعبد الرحمن الأبنودى وسيد حجاب، وكذلك ايضا "محمد سالم رحال" ودوره فى تنظيم وقيادة التنظيمات السلفية الجهادية، والدكتور "صالح سرية" قائد محاولة الإنقلاب ضد السادات وإقامة الدولة الإسلامية، أيضا قدم الشباب المصرى إسهامات عديدة فى دعم ومساعدة الثورة الفلسطينية ولم يبخل حتى بالشهداء فى صفوفها كالشهيد "صابر خضر" المنتمى لمجموعة يسارية بالأسكندرية.

فى ظل هذه الأجواء حضر الى مصر الشهيد "فتحى الشقاقى" لدراسة الطب بجامعة الزقازيق.

الشقاقى فى مصر:

يقول رفيق دربه ونضاله وخليفته فى قيادة حركة الجهاد الإسلامى" رمضان عبدالله شلّح" "كانت غرفة فتحي الشقاقي، طالب الطب في جامعة الزقازيق، قبلة للحواريين، وورشة تعيد صياغة كل شيء من حولنا، وتعيد تكوين العالم في عقولنا ووجداننا"، لقد وضع الشقاقى وعددا من إخوانه الفلسطينيين الدارسين فى مصر الأساس لحركة الجهاد الإسلامى والتى تعد حركة المقاومة الأولى التى تبنى على أفكار إسلامية صميمة، وذلك قبل ظهور حركة "حماس" بسنوات من خلال ورشة عمل كبرى أقامها فى سكنه سماها" معسكر الإعداد".

عندما جاء الشقاقى الى مصر لدراسة الطب فى جامعة الزقازيق عام 1974 كان عمره وقتها ثلاث وعشرون عاما، كان قد تخلص نهائيا من الأفكار الناصرية ونبتت فى عقله أفكار جديدة خليط من الفكر الدينى المستنير والفكر القومى وبعض الأفكار اليسارية.

فترة وصول الرجل الى مصر كانت الحركات اليسارية قد بدأت فى الإنحسار، خاصة بعد حرب إكتوبر التى أبطلت حجة القائلين أن النظام لن يحارب، ولكنه حارب وحقق إنتصارا نسبيا مهما، وكانت هذه أحد أخطاء اليسار القاتلة وهو تركيزه على هذا الشعار والمراهنة عليه، فى نفس الوقت كانت التيارات الدينية فى أوّج صعودها بعد الحرب، لأسباب عدة منها هذا الإنتصار الجزئى قد أنجز تحت راية "الله اكبر"، وبدء موسم الهجرة الى الخليج والعودة بأفكار وهابية سلفية، وأسباب أخرى .

لقد لعبت الصدفة دورا فى تشكيل أفكار الشقاقى على هذا النحو، ربما لو كان حضوره الى مصر قبل ذلك بعامين أو ثلاث عندما كان اليسار مسيطرا على الشارع السياسى كان الأمر قد إختلف، وربما لو كانت إقامته فى مدينة كبرى كالقاهرة أو الأسكندرية تمور بتيارات اليسار بدلا من المدن الريفية حيث يعشش الفكر السلفى لكان قد إختار توجها آخر، ولكنها تبقى مجرد إحتمالات، ولكن مما لا شك فيه أن الرجل إقترب بأفكاره من ضفاف إنسانية أكثر رحابة من الفكر السلفى، لقد قرأ نجيب محفوظ ويوسف إدريس كولين ولسون وهمينجواى، وحفظ أشعارا لمحمود درويش وسميح القاسم ونزار قبانى، وغنى مع الشيخ إمام أشعار نجم، بل أنه كتب شعرا على نفس شاكلة نزار ودرويش مع الفارق طبعا فى الحرفية حيث يقول فى قصيدته حكاية من باب العامود" المنشورة بالعدد الأول من مجلة المختار الإسلامي في يوليو 1979م:
كانوا خمسة…
في يد كل منهم منجل..
في يسرى كل منهم قفة..
كانوا يا أصحابي خمسة..
وقفوا في صف مكسور..
في أعينهم نامت مدن وبحور..
بهذا الصف المكسور..
خذ حذرك..
مولانا هلت طلعته..
يا صاحبي حضر المأمور..
مولانا كفا في كف ضرب..
في العين لهب..
في الصدر غضب..
مولانا كالعادة صاح:
عرب.. فوضى عرب..
كانوا خمسة..
في يمنى كل منهم منجل..
في يسرى كل منهم قفة..
تركوا (الدرق) الأخضر
قالوا: يوماً يومين ولا اكثر
يا عمال بلادي..
هرمت غابات الزعتر..
وانسكب الزيت وغصن الزيتون تكسر..
يا قلب الأرض تحجر
لا تزهر أبداً لا تزهر..
إلا غضباً.. إلا بركاناً يتفجر..

وكان يفرح كثيرا بغناء إبنته "خولة" التى يطلب منها ترديده أمام أصدقائه (إني أحب الورد، لكني أحب القمح أكثر…".)

ولكن إعجاب الشقاقى كان أكثر بكتابات "سيد قطب" خاصة كتابه العمدة (معالم فى الطريق) وكتابات أخرى من وراء الخليج للإمام "الخومينى"، لقد انبهر كثيرا بما كتبه قطب فى المعالم، هذا الكتاب الذى درسه بدقة وتأنى، وكتب تعليقات طويلة عليه أنهاها بتذييل ( معذرة.. استاذنا الإمام الشهيد.. معذرة إني وضعت كتابك فوق طاولة البحث والتحليل.. معذرة إن كنت أصبت.. والف معذرة إن كنت أخطأت)، واصفا الكتاب (الكتاب الذي قتل مؤلفه وهو نفس الكتاب الذي احيى جيلا تربى عليه) .
وكما تأثر الشقاقى بأفكار "سيد قطب" تأثر أيضا وبشكل بالغ بفكر الإمام الخومينى وخاصة بكتابه (الحكومة الإسلامية)، وألف كتابا مهما عن الثورة الإيرانية أسماه "الخومينى..الحل الإسلامى والبديل"، وكون علاقات صداقة قوية مع عدد من مفكرى وقادة الثورة فى إيران، وكان نشر هذا الكتاب فى مصر سببا فى القبض عليه عام 1979 ، وعاودت السلطات المصرية إعتقاله بتاريخ 2/7/1979 ولمدة أربعة شهور على أثر نشاطاته الاسلامية والسياسية ، وتمكن الشقاقي من مغادرة مصر سرا ً نتيجة ملاحقة رجال الأمن بتاريخ 1/11/1981 عائدا ً إلى قطاع غزة، وذلك بعد مقتل السادات واتهامه من قبل الدوائر الأمنية بأنه طرف فيه وعلى علاقة مع الجماعات الاسلامية في مصر.

فى القطاع إستطاع عاود نشاطه سرا حتى تمكنت السلطات الإسرائيلية من القبض عليه عام 1983 لمدة 11 شهرا، وأعيد إعتقاله عام 1986 ليحكم عليه بالسجن بتهمة التحريض ضد الاحتلال الصهيوني، و نقل الأسلحة إلى القطاع و الانتماء لحركة الجهاد الإسلامي، و قبيل انقضاء فترة سجنه أصدرت السلطات الصهيونية قرارا بإبعاده مباشرة من سجن نفحة إلى الحدود اللبنانية بتاريخ 1-9-1988م بسبب مشاركته في قيادة الانتفاضة الأولى من داخل السجن.
حركيته:

كان للشقاقى قدرات تنظيمية فائقة، فقد إستطاع وهو فى لبنان توحيد ثلاث تنظيمات هى سرايا الجهاد والتي تشكلت في جنوب لبنان عام 1986 ، من الحركة الإسلامية ، وكان يتزعمها إبراهيم غنيم وحامد أبو ناصر ومحمود حسن وكمال قزاز . والاتجاه الإسلامي داخل حركة فتح ، وكان يتزعمه منير شفيق ومحمد بحيص وحمدي سلطان . وحركة الجهاد ـ بيت المقدس ، وكان يتزعمها أسعد بيوض التميمي . وقد أسفرت الاتصالات عن تشكيل إطار عسكري يحمل اسم " حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين" .

لقد حجز الشقاقى لحركة الجهاد موقعا متقدما على ساحة العمل الجهادى فى فلسطين، فما تزال من حيث قوتها تمثل القوة التنظيمية والقتالية الثالثة بعد فتح وحماس، ورقما صعبا من العسير تجاوزه فى أى تسوية محتملة.

ومما يؤخذه البعض على الشقاقى إعجابه المبالغ فيه بالنموذج الإيرانى، وخاصة بالإمام الخومينى، ويبرز هنا سؤال موجه للجميع، من منا لم يعجب بهذا النموذج فى حينه، من لم ينفعل مع تصاعد الثورة ضد الشاه، تلك الثورة التى صاغ أهدافها هذا الرجل السبعينى متحالفا مع طيف واسع من قوى اليسار واليمين، لتنطلق بقوة الجماهير الفقيرة العزلاء فى شوارع طهران فى مواجهة السافاك الإمبراطورى، حيث أكبر قوة عسكرية إقليمية، من لم يبكى أمام مشهد هبوط طائرة الخومينى وفرار الشاة مذعورا، نعم كلنا ذلك الرجل، ولكن الإعجاب والإنجذاب كان يجب أن يخضع لتحليل دقيق ومتعمق لما تلا ذلك من انقلاب على الحلفاء، ونكوص عن نضال الجماهير، ومغامرات خارجية مشبوهة، ولكن إغتيال الشقاقى مبكرا ربما، لم يعطه الفرصة الكافية لمراجعة هذه الأفكار.

إغتياله:

كان الرئيس الإسرائيلى "إسحق رابين"قد أقر خطة إغتيال الشقاقى بعد عملية "بيت ليد" التى تبنتها حركة الجهاد الإسلامى وأسفرت عن مصرع عدد من الجنود الإسرائيليين، وتم اغتياله فى مالطا يوم الخميس 26/10/1995، وذلك فى طريق عودته الى دمشق من ليبيا ولقاءه بالعقيد القذافى، لقد ذهب الى ليبيا يحمل جواز سفر ليبى بإسم مستعار هو "ابراهيم الشاويش"، وكان فى صحبته اثنين من قادة الفصائل الفلسطينية فى دمشق هما "ابو موسى" و"طلال ناجى" فى محاولة لإثناء القذافى عن طرد آلاف الفلسطينيين العالقين على الحدود المصرية فى اوضاع مأساوية، بزعم ان عليهم العودة الى بلدهم والنضال ضد المحتل من هناك، وحمّلت حركة الجهاد الموساد الإسرائيلى المسئوليته عن العملية، بينما أشار بعض زملائه بإصبع الإتهام الى ضلوع النظام الليبى فى العملية، وقيل أن ذلك تم بعد رفض الشقاقى إصدار بيان طلبه الليبيون ضد السلطة الوطنية الفلسطينية، خصوصا أن للقذافى سابقة حول إختفاء "الإمام موسى الصدر"، ولكن هذه المعلومة لم يتم التأكد منها، والأرجح أن إسرائيل هى من قام بهذه العملية الإجرامية.

ويعد "فتحي الشقاقي" أحد رموز التيارالدينى المستنير داخل الساحة الفلسطينية لما يتمتع به من ثقافة موسوعية، واستيعاب عقلاني لمشكلات الواقع الفلسطينى. كما يعتبر من مجددى الحركة الاسلامية وباعثها في اتجاه الاهتمام بالعمل الوطني الفلسطيني، وإعادة تواصلها مع القضية الفلسطينية عبر الجهاد المسلح، فدخلت بذلك طرفاً رئيسياً ضمن قوى الاجماع الوطني الفلسطيني بعد طول غياب.

ثلاثة فلسطينين فى مصر


2- صالح سرية: قائد محاولة الإنقلاب على السادات

هو صالح عبدالله سرية الفلسطينى الأردنى الجنسية، ولد فى حيفا بفلسطين فى وأكمل دراسته الإبتدائية بها وشهد وهو طفلا نكبة 1948 وهجرة الأسرة الأولى الى العراق، وأكمل دراسته الثانوية بها، وانتمى هناك لجماعة الإخوان المسلمين قبل إلتحاقه بكلية الشريعة جامعة بغداد، وكان من العناصر النشطة فى الجماعة، ثم أسس ما يعرف ب"جبهة التحرير الفلسطينية" قبل قيام ثورة 1958 على النظام الهاشمى بقيادة عبد الكريم قاسم، وبعد حدوث خلاف بين قاسم والإخوان عاد الى العمل السرى وقام بعدة عمليات ضد اليهود العراقيين حتى قبض عليه بواسطة النظام العراقى فى عام 1965 ابان ضرب حركة سيد قطب فى مصر، وبعد الإفراج عنه حصل على ماجستير فى الشريعة، ولم يعرف له نشاط سياسى حتى حدوث هزيمة 1967 ، بعدها عاد صالح سرية الى نشاطه الفدائى وانضم لحركة فتح وانتخب عضوا بالمجلس الوطنى الفلسطينى وشارك فى اجتماع المجلس عام 1968 فى القاهرة.

اتهم صالح سرية بالمشاركة فى محاولة انقلاب على حكومة "أحمد حسن البكر" فهرب الى سوريا، وهناك تقدم الى السفارة المصرية فى دمشق بطلب اللجوء السياسى الى مصر ولكن طلبه رفض، بعدها انتقل للاقامة فى الأردن، وارتبط بحزب التحرير الفلسطينى ذو الأفكارالسلفية المتطرفة الذى أسسه الفلسطينى "تقى الدين النبهانى" عام 1950، وهو خال صالح سرية ، ثم جاء الى مصر عام 1970 والتحق بكلية التربية جامعة عين شمس لدراسة الدكتوراه، وبعد حصوله عليها عمل بمنظمة "الأونيسكو" (منظمة التربية والثقافة والعلوم) التابعة لجامعة الدول العربية.

لم يضيّع صالح سرية حال وصوله الى القاهرة أى وقت, فاتجه مباشرة الى منزل السيدة زينب الغزالى، والتى كان قد تعرف عليها فى زيارة سابقة الى القاهرة عن طريق طليقها الشيخ "حافظ التيجانى" ونزل ضيفا عليها هو وأسرته المكونة من زوجته وتسعة من الأبناء، ولعبت السيدة زينب الغزالى دورا أساسيا فى تقديمه الى المرشد العام المستشار "حسن الهضيبى" وتعريفه بمجموعات الشباب الجديد ومنهم "طلال الأنصارى" و"اسماعيل طنطاوى"و"يحيى هاشم" .

سرعان ما أدرك صالح سرية أن الاخوان المسلمين فى مصر غير راغبين أو قادرين على المواجهه مع النظام، وذلك بعد لقائه ببعض قادتهم وعلى رأسهم المرشد العام، ومع كثير من القيادات أمثال الشيخين محمد الغزالى والسيد سابق.

ويمكن التماس العذر لهؤلاء القادة الذين كان يهمهم فى الأساس الأول بقاء الدعوة واستمرارها، وحماية أعضائها، وهم ليسوا بعيدين من محنة قاسية ألمت بهم فى العام 1965، وما زالوا يرممون نتائجها، ويضمدون جراحها.

كما وجد قادة المجموعات الشبابية مشتتي الحركة، ومشوشى الرؤية، فمنهم من كان اتجاهه سلفيا مثل "اسماعيل طنطاوى" ومنهم من يرفض فكرة الانقلاب العسكرى ويدعو الى حرب عصابات طويلة الأجل مثل "يحيى هاشم"" (وهو وكيل نيابة بدأ نشاطه السياسي عام 1968 بقيادة مظاهرة من مسجد الحسين بالقاهرة بسبب هزيمة يونيو 1967 ، وقد شكل يحي هاشم تنظيما بلغ أفراده حوالي ثلاثمائة فردا معظمهم من الإسكندرية، وحاول بعد فشل عملية الفنية العسكرية و القبض على أعضائها القيام بعملية مغامرة لتهريبهم، ولكن خطته انكشفت فهرب الى الصعيد وتمت تصفيته هناك بواسطة قوات الأمن).

توجه سرّية مباشرة الى الشباب المتدين المتحمس ليكون منهم تنظيمه، وقد كان له تأثير قوى على كل من يلتقى به، يقول عنه" أيمن الظواهرى" فى كتابه"فرسان تحت راية النبى":

ان صالح سرية كان محدثاً جذاباً ومثقفاً على درجة عالية من الاطلاع والمعرفة، وكان حاصلاً على درجة الدكتوراه في التربية من جامعة عين شمس، كما كان متضلعاً في عدد من العلوم الشرعية، وانه التقاه مرة واحدة أثناء احد المعسكرات الاسلامية في كلية الطب حين دعاه أحد المشاركين في المعسكر الى القاء كلمة في الشباب. و«بمجرد استماعي لكلمة هذا الزائر أدركت ان لكلامه وقعاً آخر، وانه يحمل معاني اوسع في وجوب نصرة الاسلام، وقررت ان أسعى للقاء هذا الزائر، ولكن كل محاولاتي للقائه لم تفلح».
كما يقول عنه" طلال الأنصارى" فى كتابه"صفحات مجهولة من تاريخ الحركة الاسلامية المعاصرة":

((كان صالح سرية شخصية كاريزمية، لا يملك من يقابله فكاكا من أن ينبهر به..خلقه..شخصيته..علمه..قدرته الفائقة على الاقناع بأبسط الطرق وأيسرها، وقدرته على صياغة أعقد القضايا وعرضها فى كلمات بسيطة وموجزة))

نجح سرّية فى تكوين تنظيم واسع ومتنوع جغرافيا من مجموعة متحمسة من الشباب، قسمهم الى مجموعات صغيرة على رأس مجموعة الإسكندرية"كامل عبد القادر(طب) وطلال الأنصاري(هندسة)، ومجموعة "بور سعيد"بقيادة أحمد صالح، ومجموعة" القاهرة والجيزة" وعلى رأسها حسن الهلاوى ومصطفى يسرى، ومجموعة" قنا" بقيادة محمد شاكر الشريف، وأبقى مجموعة "الفنية العسكرية" بقيادة كارم الأناضولي وباقي الكليات العسكرية تحت قيادته المباشرة.

وأمام ضغط الشباب المتحمس المتكرر والمستمر على سرعة للتحرك، إضطر للتسرع بوضع الخطة الأولى لمحاولة اغتيال الرئيس السادات وكبار قياداته بالمطار عند عودته من زيارة خارجية ليوغوسلافيا، وكلف مجموعة القاهرة والجيزة بقيادة "حسن الهلاوى" برسم خريطة تفصيلية للمطار، ولكن لعدم قيام المجموعة بما كلفت به تم إلغاء الخطة.

بعدها تم تكليفه مجموعة الإسكندرية بإعداد رسم كروكى عن مكانين محتملين للهجوم الأول مجلس الشعب والثانى مبنى الاتحاد الاشتراكى على "كورنيش النيل"، وحضرت مجموعة من ستة أفراد من الأسكندرية منهم محمد على خليفة وهانى الفرانونى وأنجزوا المطلوب.

تم وضع الخطة البديلة بواسطة سرّية وكارم الأناضولي، وتعتمد على الاستيلاء على الكلية الفنية العسكرية بمهاجمة حرس بوابة الكلية في صمت لادخال عدد كبير من الشباب الى الكلية، ثم بعد ذلك الاستيلاء على الأسلحة والسيارات والمدرعات من الكلية الفنية العسكرية بمساعدة اخوانهم الطلبة داخل الكلية مستغلين صلاحياتهم كقادة مناوبين أثناء الليل، يتم التوجه بما حصلوا عليه الى مقر الاتحاد الاشتراكي لمهاجمة السادات وأركان حكمه أثناء عقد اجتماعهم.

وكبروفة للأحداث طلب سرّية من مجموعة الأسكندرية الحضور الى القاهرة، والتوجه إلى موقع العملية قبل بدء التحرك بيوم واحد وبعد حضورهم طلب منهم العودة والحضور في اليوم التالي.

وأعد صالح سرية بيان الانقلاب بخط يده، واعترف بذلك أثناء محاكمته وأعاد كتابته من الذاكرة أثناء المحاكمة بطلب من القاضى على الشكل التالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتزل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير

أيها الشعب الحبيب – أيتها الأمة المجاهدة الصابرة لقد نجحنا والحمد لله صباح اليوم في السيطرة على الحكم واعتقال جميع المسئولين عن النظام السابق وبدأ عهد جديد . ونحن لمن قليل الوعود لكم لكننا نعلم أن النظام الجديد سيقوم على المبادئ التالية :

1- ستقوم مبادئ الدولة على أسس جديدة لا لبس فيها ولا تناقض .

2- سوف لا تكون الثورة مقتصرة على الجوانب السياسية وإنما ستشمل جميع نواحي الحياة الاقتصادية والثقافية والتعليمية والوظيفية والاجتماعية وغيرها .

3-سوف تهتم الدولة اهتماماً حقيقياً بالإيمان والأخلاق والفضيلة .

4- سوف تعتزم الدولة في كل سياستها مصلحة الأمة أولاً ثم الاتفاقات .

5- ستعمل الدولة جاهدة على تحرير كل الأجزاء السليبة من وطننا وعلى مساعدة المحرومين والمظلومين في كل مكان وسنقاوم الاستعمار بجميع أشكاله في العالم .

6-ستعمل الدولة جاهدة لقيام الوحدة بكل الطرق دون الاكتفاء بالادعاءات اللفظية .

7- ستقوم الدولة بكل جهدها برفع التنمية من أجل رفع مستوى السكان .

8- سوف نطبق الحرية للمجتمع ليقول كل ما يريد ونعد كل أجهزة الدولة بعيداً عن الكذب والافتراء والبهتان.

9- سنعيد تقييم كل المبادئ والأشخاص والوظائف على أسس جديدة.

10- سوف تحيي الدولة مبادئ العدل المشهورة في تراثنا .

والله الموفق

رئيس الجمهورية

د/صالح سريه

25ربيع الأول 1394ه

18 ابريل 1974

ومع بداية التحرك تسلل اثنين من التنظيم, أحدهما توجه إلى وزارة الداخلية والثاني إلى رئاسة الجمهورية، وقاما بالإبلاغ عن الخطة، وبعد مرور وقت طويل من الأجهزة من عدم التصديق والتحقيق معهم، توجهت قوة صغيرة من الأمن المركزي إلى كلية الفنية العسكرية، ليتم إجهاض الهجوم في بدايته، ويتم القبض على قياداته، وعلى رأسهم صالح سرية وكارم الأناضولى وطلال الأنصارى الذين حكم على ثلاثتهم بالإعدام، الا أن طلال الانصارى خففت عليه العقوبة الى المؤبد نتيجة محاولات الإستعطاف التى قام بها والده الشاعر عبد المنعم الإنصارى، بينما رفض كل من صالح سرية وكارم الأناضولى تقديم اى التماسات للعفو عنهم، وفي الزيارة الأخيرة قبل الاعدام جاءت زوجة صالح سرية ومعها أولادها التسعة لزيارته في السجن، فقال لها: اذا تقدمت بطلب للعفو فأنت طالق.

لقد استمر التحقيق مع الرجل لأيام عديدة بينما كان فى الحبس الإنفرادى، وقد كانت هذه التحقيقات تتم فى مبنى وزارة الداخلية أو فى جهاز مباحث أمن الدولة وأيضا فى مكان احتجازه بالسجن، ومما ذكر بعد إعدامه أن أحد الشباب المتهمين فى قضية سياسية وجد على جدار الزنزان رقم 40 بسجن القلعة والتى كان الدكتور صالح سرية مسجونا بها بضع ابيات من الشعر مكتوبة على الجدار فنقلها وهربها سرا وهى:

أقري العدا من لحمهم أشـــــلاء ****** وأذيقهم كأس الردى لا مــــاء

وأطبهم بالقتل أو أحييــــــــــــهم ****** بالأسر لا موتى ولا أحيـــــاء

بمجرب في الحرب يكره غمـــده ****** ماض كسيف المسلمين مضاء

ومهاجر في الله ودع أهلـــــــــه ****** لم يلتفت يوم الفـــــــراق وراء

ألقى ثقال الأرض عن أكتافـــــه ****** ورمى الهوى لما أراد سمــاء

ومضى كأن الأرض لم يولد بها ****** ولم يعرف بها رفقــــــــــــــــاء

الله أكبر يوم يزحف جيشــــــــنا ****** صوب المدينة يقطع البيــــداء

اليوم يوم السيف إن تضرب به ****** أثخن وإن تنذر فلا إرجــــــــاء

راياتنا سود كراية أحمــــــــــــد ****** لكنها عادت إذن حمـــــــــــراء
( وكان قد رسم بعدها رايتان ،سوداء وحمراء كتب بينهما " صالح سرية " ).

ملحوظة: تم نقل هذه الأبيات كما هى، وربما الأخطاء فى النحو أو التفعيلة بسبب النقل.

أفكاره:

لقد كانت أفكار "حزب التحرير" هى الرافد الرئيسى لأيدلوجية الرجل، هذه الأفكار التى تعتمد فى الأساس على تكفير النظم الحاكمة، والدعوة للإنقلاب عليها، وإقامة دولة الخلافة الإسلامية، تلك الأفكار التى طورها صالح سرية فى مجموعة من الكتابات أهمها "رسالة الإيمان" التى أعاد طباعتها عدة مرات اتحاد طلاب مصر فى نهاية السبعينيات.

ومن أهم الأفكار الواردة فى هذه الوثيقة:
- الجهاد هو الطريق لإقامة الدول الإسلامية
- لا يجوز موالاة الكفار والأنظمة الكافرة ومن فعل ذلك فهو كافر. من مات دفاعاً عن حكومة كافرة ضد من قاموا لإقامة الدولة الإسلامية فهو كافر إلا إذا كان مكرهاً فإنه يبعث على نيته. من اشترك في حزب عقائدي غير إسلامي فهو كافر، كذلك من اشترك في جمعية عالمية كالماسونية أو اعتنق فلسفة مخالفة كالوجودية أو البرجماتية.
- الحكم بتكفير الحكام وجاهلية المجتمع واعتباره دار حرب.
- جواز العمل الحزبي الإسلامي والمساهمة من خلاله في الانتخابات ودخول البرلمان والمشاركة في الوزارات إذا كان صريحاً بأنه يسعى عن هذا الطريق للوصول إلى السلطة وتحويل الدولة إلى دولة إسلامية.
- يجوز للمسلم أن يدخل في مختلف اختصاصات الدولة بأمر من الجماعة الإسلامية ويستغل منصبه لمساعدة الجماعة للحصول على السلطة أو التخفيف عنها في حالة المحنة أو إفادتها بأي طريق ولا مانع أن يصبح وزيراً حتى مع حكم طاغية إذا كان بهذه النية.
- كل من ينفذ أوامر الدولة الكافرة ضد الإسلام والحركة الإنسانية فهو كافر.
- في حالة وجود مرشح إسلامي وأمامه مرشح اشتراكي أو قومي أو شيوعي وانتخب الفرد غير الإسلامي فإنه يكون كافراً بهذا الموقف.
- الذين يحاربون دعاة الإسلام لأنهم يمزجون الدين بالسياسة كفار لأنهم قصروا الإسلام على جانب وكفروا بالجوانب الأخرى.
- المعارضون لأحكام الإسلام الذين يتهمون الدين بالتخلف والرجعية كفار، كذلك الذين يعترضون على حكم من أحكام الله ولا يرضون عنها مثل الذين يعترضون على الإسلام ويتهمونه بالتخلف فإن هؤلاء غير راضين عن الإسلام أصلاً.
- التفريق بين الامتناع الجماعي والامتناع الفردي بمعنى أن الترك الجماعي لأي ركن من أركان الإسلام كفر.
- كل القوانين المخالفة للإسلام في الدولة هي قوانين كفر وكل من أعدها أو ساهم في إعدادها أو جعلها تشريعات ملزمة فهو كافر كذلك من طبقها دون اعتراض عليها أو إنكار لها.
- تحية العلم والجندي المجهول والسلام الجمهوري من طقوس الجاهلية وهي صورة من صور الشرك.

لقد كان صالح سرية من أول من أسس للجماعات السلفية الجهادية فى مصر، ومن رحم تنظيمه هذا ولدت جميع التنظيمات وحركات العنف الإسلامى السياسى، ويكفى أن نذكر أن "محمد عبد السلام فرج" صاحب الفريضة الغائبة كان عضوا مهما فى تنظيمه، بينما أصبحت أفكاره هاديا ومرشدا وجزءا مهما من أدبيات التثقيف فى جميع هذه التنظيمات الجهادية.

ثلاثة فلسطينين فى مصر



1- محمد سالم رحّال ( الفلسطينى الغامض )

جاء محمد سالم رحال الى مصر فى أوائل السبعينات من القرن الماضى للدراسة فى الأزهر الشريف، وكان فى هذا الوقت عضوا نشطا فى "حزب التحرير الإسلامى"(1) بأفكاره الراديكالية الثورية والمحظور فى جميع الول العربية والإسلامية ، وتعرف فى مصر على الدكتور "صالح سرّية"(2)، ذو الفكر الدينى المتشدد والذى كون تنظيما من الشباب الجامعى وحاول القيام بإنقلاب على حكم السادات من خلال الاستيلاء على الكلية الفنية العسكرية والتحرك لمحاصرة مبنى اللجنة المركزية للإتحاد الإشتراكى، ولكن الخطة فشلت وتم القبض على المشاركين، وكذلك القى القبض على " رحّال" ولكن سرعان ما أفرج عنه لعدم ثبوت التهمة.

وبعد انتهاء الأحداث عاد رحّال الى دراسته ليحصل على شهادة البكالريوس والماجستير من جامعة الأزهر وبدأ التحضير للحصول على الدكتوراه فى الفقه، واستطاع الرجل اثناء إقامته فى القاهرة التعرف بشكل واسع على مجموعات من الشباب المنتمى الى التيار الإسلامى الأصولى حيث كانت بدايات تشكل هذه المجموعات، وعمل على تجنيد بعضهم، مكونا مجموعة تؤمن بافكار الحزب الذى ينتمى اليه، ومنهم المفكر والباحث الإسلامى الذى عرف فيما بعد " الدكتوركمال حبيب".

أشار محامى الجماعات الإسلامية "منتصر الزيات" فى كتابه ( الجماعات الإسلامية رؤية من الداخل)، على محمد سالم رحّال بصفته شخصية محورية كان لها التأثير الكبير في تنظيم وحشد العناصر الجهادية في مصر في مرحلة التحضير و الدعوة في بداية السبعينيات، والذي يبدو من المذكرات التي يسردها الزيات، أن الرجل لعب دورا أساسيا في توحيد التنظيمات الجهادية في مصر، ويذكر الزيات أنه تعرف على رحّال من خلال أحد أفراد مجموعته فى بدايات عام 1980 وهو "أحمد هانى الحناوى"، ويصف الزيات الرجل بأنه قصير القامة، خمرى اللون، له نظرات حادة ويشع من عينيه الذكاء، وأنه فى حوالى الثلاثين من العمر، وقد حدثه عن ضرورة اقامة الخلافة الإسلامية، وأعطاه كتاب ( فقه الجهاد فى سبيل الإسلام ) للشوكانى، ونصحة بقراءته، وذكر له أن طريق الجهاد فى سبيل الدعوة الإسلامية يمر بثلاث مراحل أولها الدعوة باللسان، والثانية مرحلة التعنيف والأخيرة إستخدام القوة.

نشأته:

ولد "محمد سالم رحّال" بقرية صويلح الأردنية، التى لجأ اليها أبوه سالم رحّال إبّان نكبة 1948 من قرية "عرتوب" فى ضواحى القدس، وكان أبوه والكثير من أبناء أسرته ينتمون الى حزب التحرير الاسلامى، وقد نشأ متشبعا بأفكار هذا الحزب، وأنهى دراسته الثانوية بالأردن، بعدها شدّ رحّال وثاقه الى القاهرة للدراسة بالأزهر الشريف، حيث كانت الدراسة الدينية منسجمة مع أفكاره وميوله المكتسبة من البيئة التى نشأ بها.

نشاطه:

كان النشاط الأبرز لرحّال أثناء وجوده فى مصر نشر الفكر الجهادى، فلم يضيّع وقتا منذ حضوره الى القاهرة فى التحرك فى مجال الطلبة الفلسطينيين بصفة أساسية ومنهم على سبيل الذكر " فتحى الشقاقى " مؤسس حركة الجهاد الإسلامى فى فلسطين وعبد العزيز عودة ، وكذلك بين الطلبة المصريين وبعض العسكريين وأبرزهم كان العقيد عصام القمري الذي إغتالته الشرطة، ووفيق كامل راتب، ونبيل المغربي، وأحمد رجب سلامة و محمد طارق إبراهيم وأنور عبدالعظيم‏,‏ ونبيل فرج ومحمد الأسواني وأحمد سعد عثمان وأحمد الحناوي وعادل عبدالمطلب ونبيل نعيم وأحمد راشد‏، ومنهم كما ذكرنا "كمال حبيب" الذى قاد المجموعة بعد إبعاد رحّال من مصر، واشترك فى التخطيط لعملية إغتيال أنور السادات وحكم عليه بالسجن لمدة عشرة سنوات، واستمر رحّال فى العمل السرى وبذل جهدا كبيرا فى محاولة توحيد المنظمات الإسلامية والدعوة لأفكار حزب التحرير الإسلامى الى أن تم ترحيله بواسطة اجهزة الأمن من مصر فى ظروف غامضة فى ينايرعام 1981 الى الأردن، ولكنه آثر الذهاب الى دولة الكويت حيث يوجد أنصار لحزب التحرير وحركة اسلامية سلفية قوية، وفى هذه الأثناء ورد اسمه كأحد المتهمين فى قضية اغتيال أنور السادات.

وعاود رحّال نشاطه فى الكويت فتم ترحيله مرّة أخرى من الكويت تحت ضغط السلطات المصرية الى موطنه الأردن،

حيث عاد الى مسقط رأسه فى " صويلح "، لتستقبله أسرته ومواطني قريته استقبالا طيبا، ويتزوج من احدى قريباته ويحيى حياة شبه عادية، ولكن السلطات الأردنية تكتشف معاودته لنشاطه وتأسيسه تنظيما جهاديا مسلحا عرف باسم "تنظيم الجهاد الإسلامي"، لم يلبث أن تم اعتقاله وتفكيكه من قبل الأجهزة الأمنية الأردنية عام 1984 ، ويتم القبض عليه وإيداعه السجن،حيث تعرض لضغوط كثيرة أدت الى تكثيف الحالة النفسية التى كان يعانى منها، وسيطر عليه "الوسواس القهرى" والشعور بالإضطهاد، وتدهورت حالته الصحية مما إضطر السلطات الأردنية للافراج عنه.

نهايه مأساوية:

بخروجه من السجن تحول رحّال من "حالة نفسية" الى "حالة عقلية" وأصبح دائم الشك فى المحيطين به، مما ادى الى انفصال زوجته عنه، ليتطور الأمر بطريقة درامية مأساوية، حيث أنه وفى مناقشة مع والده، إستل سكينا وطعنه به لينزف دماؤه حتى الموت، ويتم القبض عليه مرة أخرى فى قضية قتل والده، حيث يتم تحويله الى مستشفى الأمراض العقلية فى الفحيص والذى ما زال بها حتى الآن على حد علمى.

إن من يكتب تاريخ هذه المرحلة يصعب عليه أن ينسى ما قام به "محمد سالم رحّال" فى ترميم وتأسيس وتوحيد خلايا تنظيم الجهاد المصري ، وفى نشر أفكار السلفية الجهادية.

_______________________________

1- حزب التحرير حزب سياسي تبنى الدعوة إلى وجوب إعادة الخلافة الإسلامية، لكنه اعتمد في ذلك على تغيير الثقافة في الفكر كأداة رئيسية لتحقيق ذلك، وتبنى وسائل واجتهادات عديدة انتقدها عليه جماهير علماء المسلمين المعاصرين لتصادمها مع النصوص والمقاصد الشرعية.
وقد أسسه تقي الدين النبهاني الذي ولد في عام 1909 وتوفي في عام: 1979 وهو فلسطيني الأصل، ودرس في الأزهر، وعمل قاضياً ثم انتقل إلى الأردن، وعمل بها مدرساً في الكلية الإسلامية.
وفي عام 1952 أسس حزبه (بعد تخليه عن أفكار الإخوان المسلمين التى كان ينتمى اليها فى الأردن، واشق عنها فى خمسينيات القرن الماضى) وتفرغ لرئاسته، وتنقل بين دول بلاد الشام، وأصدر الكتيبات والنشرات التي يعتبرها المنهج الثقافي لحزبه إلى أن توفي في بيروت، وبقي للحزب فروعه في الأردن ولبنان وغيرها من البلدان.، ويكفر الحزب جميع الأنظمة العربية، وخلاصة منهجهم التغييري تقوم على ثلاث مراحل:
الأولى: الصراع الفكري، ويكون بالثقافة التي يطرحها الحزب.
الثانية: الانقلاب الفكري، ويكون بالتفاعل مع المجتمع عن طريق العمل الثقافي والسياسي.
الثالثة: تسلم زمام الحكم، ويكون عن طريق الأمة تسلماً كاملاً.

2- سوف نفرد مقالا خاصا عن الدكتور "صالح سرّية" فى الحلقة القادمة.

3- كتاب (الجماعات الإسلامية رؤية من الداخل)