Tuesday, July 6, 2010

صفحة ناصعة من تاريخ مصر



مساء أحد أيام شهر يوليو الحارة فى عام 1933 ، وإبان إشتعال الحركة الوطنية المصرية ضد الإحتلال الإنجليزى وحكومة صدقى والمطالبة بعودة دستور 1923, بينما كان ثلاثة شبان ثوريين ساهرين فى مقر جريدتهم "الصرخة" يجهزون العدد الجديد، إذ بصوت أحذية ثقيلة تعلو الدرج، يندفع ضباط الداخلية من باب الجريدة دون إستئذان، ليلقون القبض على هؤلاء الشبان الصغار، ويتركون باب الجريدة مفتوحا، وينطلقون بهم سريعا الى "سجن مصر".

أولهم هو حافظ محمود، وكان أكبرهم سنا وعمره آنذاك 25 سنة، وقد بدأ عمله السياسى وهو ما زال طفلا فكوّن وعمرهآ 14 عاما جمعية القلم الأدبية، وعندما كبر قليلا أسس مع مجموعة من أقرانه "جمعية الإستقلال الإقتصادى" داعين الى مقاطعة البضائع الإنجليزية، ثم سعى بعد ذلك لتكوين نقابة الصحفيين وحاز رقم العضوية الأول بها وإشتهر فيما بعد بشيخ الصحفيين حيث انتخب لمدة 26 دورة متتالية ( 1941- 1967) ونقيبا للصحفيين4 دورات متتالية (1964- 1968).

ثانيهم كان "فتحى رضوان" وهو إسم له تاريخ نضالى كبير، كان عمره وقتها 21 عاما، يحمل قلبا يخفق بالوطنية والعشق لبلده، خاض غمار النضال مبكرا مع رفيق دربه وزميل كفاحه"أحمد حسين" بداية من إنشاء جريدة "الصرخة" ومشروع القرش ثم تكوين حزب "مصر الفتاة"، بعدها إختلفا فانضم فتحى رضوان الى الحزب الوطنى القديم ولكنه سرعان ما رأى أن الحزب ليس ثوريا بما يرضى طموحه، وأن عمله مع الأرستقراطية ورجال الأعمال لا يرضيه، فأنشأ الحزب الوطنى الجديد على خطى "مصطفى كامل"، وأصدر جريدة "اللواء الجديد"، وآخر مرة أعتقل فيها قبل الثورة كانت بعد حريق القاهرة فى 26 يناير عام 1952، حيث مكث فى السجن حتى حركة الجيش فى23 يوليو، ليصدر مجلس قيادة الثورة قرارا بالإفراج عنه وتعيينه وزيرا للإرشاد القومى (الإعلام )، أما آخر إعتقال له وهو فى السبعين فى سبتمبر 1979.

أما الثالث فهو شيخ المجاهدين" أحمد حسين"، كان وقتها فى نفس عمر "فتحى رضوان" 21 سنة ، عرف عنه الوطنية المتأججة والتطرف السياسى منذ نعومة أظفاره، حيث كوّن مع صديقه وزميل كفاحه "فتحى رضوان" وهم فى المدرسة الإبتدائية "جمعية نصر الدين الإسلامى"، وأثناء دراسته الجامعية أنشأ "مشروع القرش"، وذلك لحث المواطنيين للتبرع بقرش واحد للمساهمة فى مشاريع إقتصادية لإنقاذ الإقتصاد المصرى وهو مشروع حالم لتشجيع الصناعة المصرية من خلال إنشاء مصنع للطرابيش!!!، ثم قام بإنشاء جمعية مصر الفتاة عام 1933 واتخذ جريدة الصرخة منبرا لها، وكانت جمعية متطرفة فى وطنيتها، وكان من شعاراتها "لا تتحدث إلا بالعربية"، و"لا تشتر إلا من مصري"، و"لا تلبس إلا ما صنع في مصر"، و"احتقر كل ما هو أجنبي، وتعصب لقوميتك إلى حد الجنون".، وأنشأت جماعات شبه عسكرية عرفت بـ"تشكيلات القمصان الخضراء"، وكانت شعاراتها واسلوبها متأثرا بصعود النازية والفاشية والنزعات العنصرية فى أوروبا، ثم غير إسم الجمعية فيما بعد الى "الحزب الإشتراكى" ولكنه كما قال عنه المؤرخ "طارق البشرى" : (إن الحزب الاشتراكي انتشر أكثر مما توغل داخل الجماهير، وكان جيشانا ثوريا أكثر منه قدرة ثورية).
كانت حركة الشعب المصرى النضالية قد هدأت كثيرا بعد ثورته العظيمة فى 1919 التى توجت بإلغاء الحماية البريطانية على مصر وصدور تصريح 28 فبراير 1922 والذى ينص على أن مصر دولة مستقلة ذات سيادة مع التحفظات الاربعة الشهيرة، وبعد صدور دستور 1923 الذى حول مصر لأول مرة الى ملكية دستورية، وتم فيه تقييد سلطات الملك فؤاد كثيرا بذكر أن يمارس صلاحيته من خلال الحكومة، ورغم ذلك فلم يكن "سعد زغلول" راضيا كل الرضا عن هذا الدستور واصفا اللجنة التى وضعته ب"لجنة الأشقياء"، ومعتبرا أن اللجنة أعطت صلاحيات للملك أكثر مما يجب.

وبموت "سعد زغلول" فى 1927، وتزايد الصراع والتناحر بين الأحزاب وقادة الوفد على وراثة سعد، إنتهز الملك فؤاد الفرصة بإيعاز من الإنجليز لينقض على الدستور من خلال "إسماعيل صدقى" الذى أطلق عليه المصريين "جلاد الشعب" لقسوته وعنفه فى مواجهة الجماهير، ليصدر أمرا ملكيا بإلغاء دستور 1923 وإستبداله بدستور 1930 الذى يعطى الملك صلاحيات شبه مطلقة.

تحرك الطلاب ومعهم الشعب المصرى بكافة طبقاته لتشمل عمد القرى الذين قدموا إستقالاتهم وصدرت الدعاوى لزعماء الأحزاب بالتخلى عن مطامعهم الشخصية والإتحاد من أجل المطالبة بعودة دستور 1923، وبدأت الحركة الوطنية فى الإشتعال مرة أخرى.

فى تلك الأثناء أظهرت السلطة ممثلة فى "حزب الشعب" صنيعة الملك والإحتلال وجهها القبيح وتصدت بعنف للحركة الوطنية وكان أن تم إعتقال الشبان الثلاثة الذين ذكرناهم وإغلاق جريدتهم، وكان هؤلاء الثلاثة من الشباب الوطنى الذين لا تحميهم قوة وليس وراؤهم حزب كبير يدافع عنهم، من هنا كان تعاطف الجماهير معهم أكبر، إذ توافد الأهالي والمواطنون على السجن الذي أُودع فيه الشباب، لتقديم طعام طازج وشهي يومياً إلى المعتقلين، بينما تسابق المساجين لتقديم الفراش النظيف والأغطية للشباب!

وفى يوم محاكمتهم حضر حشد كبير من المواطنين الى قاعة المحكمة، بينما توافد المحامين المتطوعين للدفاع عنهم، وما أن إعتلى القاضى المنصة وبدأ الإتهام والمرافعة فى الكلام حتى فوجئ الحضور بشخص مهيب الطلعة يدخل من الباب الخلفى شيخ جليل مرتديا روب المحاماه، وظهرت علامات الإرتباك على القاضى فقد كان هذا الشخص هو "محمد على علوبة باشا" وزير الحقانية ( العدل) الأسبق، وما أن دخل القاعة حتى رفع يده مستأذنا : أنا حاضر عن المتهمين، فحياه القاضى مرتبكا وأفسح له مكانا ليبدأ مرافعته.

نظر "علوبة باشا" الى المنصة قائلا : سيدى القاضى، أرجو تدوين كل كلمة أقولها، و كان يعلم أن كل الكلام الذى يدور فى القاعة يدون بالفعل ولكنه أراد بهذا الإستهلال أن يشد الأنظار التى كانت فى الحقيقة شاخصة اليه، ثم أخرج من جيبه عدد جريدة "الصرخة" محل التحقيق وبدأ يقرأ ببطأ وبصوت جهورى المقال الإفتتاحى الذى يحاكمون من أجله، وكان المقال يدعو الشباب للثورة على الظلم وأن يستلهم روح شباب ثورة 1919 ويدعوهم أن يثوروا على كل من يحاول قهرهم، وما أن إنتهى من القراءة حتى دوّت القاعة بالتصفيق، وبادر بالقول: "والآن يا سيدي القاضي، إنني قلت وأؤيد في محضر الجلسة نفس الكلام الذي سجن هؤلاء الشباب بسبه، وأنت الآن ليس أمامك إلا أمر من اثنين؛ إما أن تطلق سراحهم ، أو أن تحكم بسجني معهم".

حدث هرج ومرج عظيم بالقاعة، ولم يستطع القاضى السيطرة على الحضور، فأمر برفع الجلسة وإعلن تنحيه عن القضية، ليصدر رئيس المحكمة أمرا فوريا بتعيين قاض آخر ليعود الى نفس الجلسة ويصدر حكما بالإفراج عن المتهمين.

Thursday, July 1, 2010

هل ثمة تشابه بين البرادعى وسعد زغلول؟












أشار بعض الكتاب والصحفيين المصريين عرضا فى بعض مقالاتهم عن أوجه للتشابه بين الزعيم الوطنى سعد زغلول وبين الدكتور محمد البرادعى، ولكن دعونا نحاول أن نرصد بموضوعية وجه الشبه والإختلاف بين الرجلين.

أول ما يلفت النظر أن سعد زغلول ومحمد البرادعى بدءا حركتهما الجماهيرية فى سن متقدم نسبيا، فى الستين أو أكثر، وكلاهما ليبراليا من النخبة ولم يعرف لهما تاريخ سابق من العمل وسط الجماهير، على أن سعد زغلول كان أن سبق له التعاطف مع الثورة العرابية فى بداية شبابه، وجمعته لقاءات بجمال الدين الأفغانى والشيخ محمد عبدة، وفصل من عمله أثناء عملية التطهير التى تلت فشل العرابيين، الا أنه ظل محافظا على علاقته بالعمل الحكومى حتى وصل الى الوزارة مرتين، أحدهما كوزير للمعارف العمومية (التربية والتعليم حاليا ) ووزارة الحقانية (العدل حاليا )، وصاهر مصطفى باشا فهمى رئيس الوزراء ورجل الإنجليز الأول فى مصر، كما أن الدكتور البرادعى تقلد مناصب حكومية رفيعة اهمها مساعد وزير الخارجية إسماعيل فهمى قبل إنتقاله للعمل بالأمم المتحدة ووصوله الى منصب مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية لثلاث دورات متتالية، وهكذا شغل الرجلين قبل الإنخراط فى الحركة الجماهيرية مناصب هامة، سعد فى الداخل والبرادعى فى الخارج.

يحاول البعض تشبيه إستقبال الدكتور البرادعى فى مطار القاهرة بعد عودته بالإستقبال التاريخى للزعيم سعد زغلول من المنفى، وأعتقد أنها مقارنة ظالمة للدكتور البرادعى كثيرا، فقد عاد سعد تحت ضغط ثورة شعبية جارفة شملت كل الوطن، وأرغمت المحتل صاغرا الى الإفراج عنه ورفاقه والسماح بعودتهم لمصر، والإعتراف بأن الوفد يمثل الشعب والسماح لهم بالسفر الى باريس لعرض القضية على مؤتمر الصلح، بينما البرادعى العائد بعد غيبة طويلة استمرت منذ عام 1964(اللهم ماعدا زيارات سريعة لمصر)، وخروج عدة مئات أو آلاف لإستقبال البرادعى فى المطار متحدين كل العقبات ومعرضين انفسهم للمخاطر هو موقف عظيم ويبشر بالأمل، ولكن مقارنة الإستقبالين يعد فى غير محلة ويشوبه كثير من الخلط والظلم.

الشيئ الذى دعا الكثيرين الى عقد هذه المقارنة بين الرجلين هو موضوع التوكيلات الشعبية، فلا شك أن اللجوء لهذا الشكل كتفويض من الأمة هو من إختراع سعد زغلول ورفاقه، وكما هو معروف فبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى اتفق سعد مع اثنين من رفاقه هما عبد العزيز فهمى وعلى شعراوى وكانوا أعضاءا منتخبين فى الجمعية التشريعية على مقابلة المندوب السامى البريطانى فى مصر للسماح لهم بالسفر الى لندن لعرض مطلب الأمة المصرية فى الإستقلال على الحكومة البريطانية، وجاء رد السير" رجنالد ونجت " المندوب السامى بأنهم لا يمثلون الأمة حتى يتحدثوا بإسمها، ومن هنا جاءت فكرة جمع توكيلات من الشعب للوفد المصرى وتم اقتراح صيغة عامة لهذا التوكيل وتوزيعها جاء فيها ("نحن الموقعين على هذا قد أنبنا عنا حضرات: سعد زغلول و.. في أن يسعوا بالطرق السلمية المشروعة حيثما وجدوا للسعي سبيلاً في استقلال مصر تطبيقاً لمبادئ الحرية والعدل التي تنشر رايتها دولة بريطانيا العظمى".).

وقد كانت التوكيلات هى الوسيلة العبقرية التى إخترعها الزعيم سعد زغلول وتسابق المصريين أفواجا بشكل لا يوجد له مثيل فى تاريخهم على إقرار هذا الشكل، ليتحول الوفد الى عقيدة الأمة بكل طبقاتها وأطيافها، ولتشتعل الثورة فى كل أرجاء مصر إحتجاجا على القبض على سعد باشا بواسطة الإحتلال ونفيه الى مالطة.

وتجددت فكرة التوكيلات فى مصر مرة أخرى مع ظهور الدكتور البرادعى من خلال حماس الداعمين له على الفيسبوك من شباب 6 أبريل وعايز حقى والجمعية الوطنية للتغيير وغيرهم من الشباب المؤيد للبرادعى، ورغم ثورة الإتصالات وتنوع أساليب التوقيع على بيان التغيير ذى السبع نقاط فإن الحصيلة حتى الآن تعد متواضعة قياسا بالمشهد الإجماعى للمصريين من تأييد الوفد وزعيمه.

رغم أن الرجلين حاصلين على شهادة الحقوق، فقد اختلفت كثيرا الأيام، فقد كانت شهادة الحقوق فى الماضى تعد جواز مرور للعمل السياسى ومناصب الوزارة، ولكن تلك الأيام مضت الى حالها وجرت فى النهر مياه كثيرة، لقد أمم نظام يوليو السياسة كما أمم الإقتصاد، وأصبح الوزراء مجرد موظفين فى جهاز الدولة، لا ينفى ذلك ظهور وزراء من التكنوقراط متميزين وموهوبين مثل عزيز صدقى وسيد مرعى وصدقى سليمان والدكتور النبوى المهندس وغيرهم، لكنهم لم يكونوا سياسيين بل مجرد موظفين، عموما لم يكن سعد زغلول مجرد محامى بل خطيبا مفوها، يملك كاريزما الزعامة، صك كلمات فى الضمير الجماعى للأمة ما تزال باقية، مثل:

- إختلاف الرأى لا يفسد للود قضية.

- هى تهمة لا أنفيها وشرف لا أدعيه.

- الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة.

ورغم أن البرادعى خريج حقوق، وأبوه كان نقيب المحامين لأكثر من دورة، لكن الرجل لم يكن خطيبا فى يوم ما، وليس لديه ملكات الزعامة، وليس له طموح قوى للوصول للرئاسة، وهذا ما يحمد له لا ما يؤخذ عليه، فالوطن ليس فى حاجة الى زعماء قد تحولهم الشعوب الى أنصاف آلهه، يكفيه أنه لم يتلوث بوحل النظام الفاسد، وسمعته الخارجية وحصوله على جائزة نوبل وقلادة النيل تعطيانه بعض الحصانة، بالإضافة الى ذكائه الفطرى وحرصه، وأيضا إيمانه الشديد بالشباب وإمكانية تأثره إيجابيا بأساليبهم، كل ذلك يعده إضافة حقيقية ورديفا للحركة المطالبة بالتغيير، كما أن الرجل يتعمد الغموض وعدم طرح برنامج تفصيلى، وهذه ميزة فيما أظن، فقد لخص فى النقاط السبع بدقة الطريق الى الخروج من عنق الزجاجة وإصلاح ما أفسده العسكر، والإنتقال من نظام ديكتاتورى شمولى الى إختيار حر للرئيس القادم للبلاد ، وهذه تذكرة بالنقاط السبع التى تضمنها بيان التغيير:

1. إنهاء حالة الطوارئ

2. تمكين القضاء المصرى من الاشراف الكامل على العملية الانتخابية برمتها.

3. الرقابة على الانتخابات من قبل منظمات المجتمع المدنى المحلى والدولى.

4. توفير فرص متكافئة في وسائل الإعلام لجميع المرشحين وخاصة في الانتخابات الرئاسية.

5. تمكين المصريين في الخارج من ممارسة حقهم في التصويت بالسفارات والقنصليات المصرية.

6. كفالة حق الترشح في الانتخابات الرئاسية دون قيود تعسفية اتساقاً مع التزامات مصر طبقاً للاتفاقية الدولية للحقوق السياسية والمدنية، وقصر حق الترشح للرئاسة على فترتين.

7. الانتخابات عن طريق الرقم القومي. ويستلزم تحقيق بعض تلك الإجراءات والضمانات تعديل المواد 76 و77 و88 من الدستور في أقرب وقت ممكن.

لقد كان للمصريين جميعا فى ثورة 1919 قضية واضحة صهرت الجميع فى أتونها وهى الإستقلال، دفعوا ثمنها غاليا من دمائهم وارواحهم، وإرتبطت الثورة بوحدة عنصرى الأمة وبمشاركة المرأة والشباب، كانت المطالب ظاهرة ومحددة، ولكن المعركة الآن ليست ضد العدو الخارجى، بل ما هو أسوأ، تحالف رجال الأعمال مع الفساد، وسيطرة نظام فاشى قمعى بترسانة من المرتزقة والعملاء، نوع أسوأ كثيرا من أنواع الإحتلال.

تحضرنى هنا طرفة، فى الثمانينيات كنت حديث التخرج وأعمل بسيناء، وفى جلسة جمعتنى بشيخ مسن من البدو سألته: هل كانت أوضاعكم أفضل أثناء الإحتلال أم الآن؟، فكانت إجابته صادمة لى، قال بحذر: شوف يا ولدى لقد كان للإحتلال الإسرائيلى عيوب، ولكن الإحتلال المصرى عيوبه أكثر!!!.

إن الوضع الراهن للمعارضة فى مصر محبط، ضعف وانقسام وفقدان للرؤية وانفصال عن الجماهير، الأمل الحقيقى هو فى الشباب المتحمس والناشط على صفحات الفيسبوك وتويتر وفى الحركة اليومية فى الشارع أيضا، كل ذلك مع عجز النخبة وخوف الجماهير وإحباطها، هؤلاء الشباب هم من صنعوا ظاهرة البرادعى وهم وحدهم القادرين على النهوض بها الى آفاق بعيدة، حينها يمكننا أن نقارن بين زعيم فى قامة سعد زغلول وبين الدكتور محمد البرادعى.

Wednesday, June 23, 2010

الزواج الثانى للأقباط... الفتنة النائمة


يأتى الحديث عن حكم المحكمة الإدارية العليا فى 29/5/2010 بإلزام الكنيسة بإصدار تصاريح تسمح للأقباط المطلقين بالزواج الثانى ورد فعل رأس الكنيسة البابا شنودة برفض القرار والتمسك بأن الزواج والطلاق في المسيحية هو سر مقدس وعمل ديني بحت، وليس مجرد عمل إداري، إن الكنيسة لا تقبل ما اعتبره أحكاما مخالفة لتعاليم الإنجيل وضد الحرية الدينية التي كفلها الدستور.

وقد حاولت المحكمة فى حكمها الظهور بمظهر المحايد والحريص على تطبيق القانون والدستورحيث نصت فى الحكم على ان قضية الزواج الثاني تتعلق "بالحقوق الطبيعية للإنسان فى تأسيس أسرة وإنجاب ابناء يصبحوا نواة للمجتمع، وهو حق آلهي دستوري منصوص عليه فى جميع الاديان، فضلا ان الكتاب المقدس ينص على ان علاقة الزواج تصبح منتهية بالطلاق"، كما أصرت المحكمة أن الحكم راعى الكتاب المقدس ولائحة الاحوال الشخصية للأقباط التى أقرت فى عام 1938 والمعترف بها حتى الان من قبل الدولة.

.وعموما فإن هذه القضية ليست جديدة فكثير من أحكام مماثلة سبق صدورها من المحاكم بإعادة تزويج للمطلقين ولكن الكنيسة فى كل مرة كانت تتجاهل هذه الأحكام وتمر المسألة بهدوء، الجديد فى هذه المرة أن الحكم صدر من المحكمة الإدارية العليا بعد الطعن عليه من قبل البابا شنودة وهذه المحكمة هى اعلى سلطة قضائية فيعتبر الحكم نافذا ولا يمكن نقضه بالإضافة الا أن منطوق الحكم تضمن أمرا واجب التنفيذ الى الكنيسة بإصدار تصاريح الزواج الثانى إعتمادا على لائحة 1938 والتى لا يعترف بها قداسة البابا.

وقد اعتبرت الكنيسة الأرثوذكسية الحكم بمثابة تحد لسلطتها الزمنية على أتباعها وتم عقد المجمع المقدس والذى لم يتم عقده الا مرة واحدة خلال 39 عاما هى مدة تولى البابا شنودة كرسى البابوية وذلك بحضور 82 أسقفاً يمثلون الكنيسة المصرية فى مصر والمهجر انتهوا إلى الإعلان الرسمى عن رفضهم حكم المحكمة الإدارية العليا التى قضت بأحقية الأقباط فى التصريح لهم بالزواج الثانى، وانضمت الأغلبية الكاسحة من المسيحيين لمآزرة البابا فى رفضه للحكم ولتطبيق الشريعة المسيحية من وجهة نظرهم وانضم فى ذلك كثير من الأصوات المعارضة منهم الناشط القبطى "مايكل منير" والقس "بطرس فلتاؤوس"، مع تأييد الأزهر لموقف البابا طبقا لما أعلن الشيخ خالد الجندي فى برنامجه ( المجلس) على فضائية أزهرى تضامنه الكامل مع البابا شنودة والكنيسة المصرية فى أزمة الزواج الثاني ورفض حكم المحكمة الادارية العليا

بل أن البابا استشهد بالشريعة الإسلامية وذكر أن الإسلام يقول" إذا أتاك أهل الذمة فاحكم بينهم بما يدينون"، وأن هذا الحكم لا يلزم الكنيسة لأنه حكم مدنى، وأن ما يلزم الكنيسة فى مثل هذه القضايا هو الإنجيل وليس أى شيئ آخر، وأعلن عن طريق محامى الكنيسة أنه كلف اللجنة القانونية بالكنيسة بإعداد صيغة دعوى قانونية يعتزم إقامتها أمام المحكمة الدستورية العليا،

وأعلن البابا شنودة إستعانته بمستشارين قانونيين مسلمين منهم الدكتور يحيي الجمل وسامح عاشور نقيب المحامين الأسبق، وقال عاشور فى تصريحات خاصة : إننا نتشاور ونبحث مع البابا الإجراءات القانونية لوقف الحكم وتحقيق العدالة القانونية للشرائع فإذا تعارض القانون مع الشريعة المسيحية يجب تعديل القانون وليس العكس

على أن الجدل إتسع ليشمل الكثير من معارضى البابا والذين أيدوا الحكم وطالبوا بضرورة التزام البابا به وتنفيذه وهم يمثلون المعارضة التقليدية من العلمانيين الأقباط وأعضاء المجلس المللى والمتضررين من المطلقين وكذلك فئات إسلامية عديدة إما شامته أو متربصة حيث أسرع محامى قضايا الحسبة "نبيه الوحش" الى إرسال إنذار علي يد محضر الى البابا يطالبه فيه بتنفيذ حكم المحكمة الإدارية العليا، الذي يلزمه بالتصريح للمطلقين بالزواج مرة أخري وإلا سيقع تحت طائلة القانون ومواجهة جريمة الامتناع عن تنفيذ حكم قضائي، وجاء في الإنذار: ينبه علي البابا شنودة الثالث بشخصه وصفته سرعة تنفيذ الأحكام الصادرة عن المحكمة الإدارية العليا في نهاية شهر مايو الماضي وجميع الأحكام الصادرة قبل ذلك وتسمح بالزواج الثاني للمطلقين الأرثوذكس، وذلك خلال 8 أيام من تاريخ وصول هذا الإنذار، طبقاً لما يوجبه نص المادة 123 من قانون العقوبات والمادة 72 من الدستور..ودخلت الجماعة الإسلامية على الخط بالقول إن موقف البابا يمثل «تحديا لحكم قضائي بات»، وتساءل أحد قيادييها «هل يجرؤ مسلم في بلد مسيحي على رفض قوانين الأغلبية وأحكام قضائها؟»، ناسيا أنه فى البلدان الأوروبية التى يقصدها والتي تطبق الدولة المدنية بمفهومها لا يستطيع قاضي أن يرغم الكنيسة الكاثوليكية بتزويج شخص تري الكنيسة أن ليس من حقه الزواج طبقاً لتعاليم الإنجيل.

إن محاولة الدخول فى هذه المنطقة الشائكة بين جمهور الأقباط وقيادتهم الدينية فى تقديرى هو عمل غير مبرأ والحكم هو محاولة من محكمة ذات اتجاه سلفى معروف (و موقف نفس قضاة هذه المحكمة من تولى المرأة للقضاء ليس ببعيد) أن توقظ فتنة يحاول العقلاء تجاوزها، فليس من المنطق محاولة فرض رؤية قانونية فى قضية من صلب إختصاص اللاهوت الدينى بحجة نصوص الدستور، وليتسع خيالنا لو أن محكمة مصرية أصدرت حكما يلزم المفتى أو شيخ الأزهر بإصدار فتوى تمنع تعدد الزوجات بدعاوى من الدستور أو وثيقة حقوق الإنسان التى وقعتها مصر أو أى حجج أخرى، فهل يمكن ان يسكت المسلمون أو يرضخوا لمثل هذا الحكم.

ليس الحل إذن فى التهليل لحكم المحكمة ومحاولة إظهار البابا والكنيسة بتحدى الدولة والخروج على القانون والدستور، والعمل على إثبات مخالفة البابا لصلب العقيدة المسيحية كما يحاول بعض السذج من العلمانيين الأقباط، لكن الحل يكمن فى العمل على اقامة الدولة المدنية والدعوة لإقرار الزواج المدنى والإعتراف به وتقنينه والعمل على خلق نظام يسمح بالزواج المدني تنظمه الدولة لا يفرق ما بين مسلمين و مسيحيين أو عزاب و مطلقين، وسرعة اصدار قانون موحد للاحوال الشخصية للمسيحيينوال الشخصية للمسيحيين .