Wednesday, July 21, 2010

الوهابية المصرية...والنكوص للخلف


لا أزعم أن هذا المصطلح "الوهابية المصرية" من عندياتى، لكنني قرأته للكاتب الكبير"حلمي نمنم" بجريدة "المصري اليوم" في مقال عن وجود بصمة مصرية للفكر الوهابى لها ملامح خاصة ومحددة، ورغم أنه لم يسترسل بما فيه الكفاية فى الموضوع لكنه فتح أمامي مجالا للكتابة فيه.

بدايةََ "الوهابية" مصطلح أطلق على حركة دينية سياسية ظهرت منسوبة الى مؤسسها الشيخ "محمد بن عبد الوهاب 1703- 1792" فى منطقة "نجد" بالجزيرة العربية، حيث تحالف مع "محمد بن سعود" أمير الدرعية لنشر مذهبه السلفى معاهدا إياه ( الدم الدم..الهدم الهدم )، ومبشرا إياه بالغلبة على جميع بلاد نجد.

وكان أن أعمل محمد بن سعود سيوفه فى رقاب القبائل المجاورة فيما أطلق عليه "غزوات" لتعبيد الناس لربهم حيث أفتى إبن عبد الوهاب بكفرهم وخروجهم عن ملة الإسلام وأنه أعلن الجهاد عليهم لإعادتهم الى دين التوحيد والعقيدة الصحيحة، ونتج عن هذه الغزوات إقامة الدولة السعودية الأولى التى إمتدت الى دمشق شمالا وعمان جنوبا.

ويتلخص الفكر الوهابى فى العودة الى الأصول وتحقيق مجتمع " أهل السنة والجماعة "، وإعتبارهم وحدهم الفرقة الناجية ومن يطبقون صحيح الإسلام كما جاء به محمد (صلى الله عليه وسلم)، وأن المخالفين لهم مفارقين للجماعة يجب إعلان الجهاد عليهم ومصادرة أموالهم وسبى نساؤهم، وهو بناء أيدلوجي واضح ومحدد، مجموعة من الأفكار البسيطة لخصها محمد بن عبدالوهاب فى كتابه " التوحيد" حيث يدعو للعودة الى الإسلام الصافى ونبذ كل ما طرأ عليه من بدع وعادات مخالفة لجوهر التوحيد كالتوسل بالقبور وشد الرحال اليها والتبرك بها، وتقديس الأولياء وزيارة أضرحتهم، كما يدعو الى التشدد والإنغلاق فى أمور الدنيا والدين والتعصب والإستعلاء الدينى والزهد فى الدنيا ورفع راية الجهاد وتكفير مخالفيهم، كما أن لهم موقفا شديد التطرف تجاه المرأة.

سقطت الدولة السعودية الأولى على يد والى مصر "محمد على باشا" فى عام 1818 بعد أن إستعان به السلطان العثمانى لحربهم ( وربما كان ذلك أحد الأسباب الرئيسية لكراهيتهم لمصر)، وبعد تحالف الدول الغربية مع الباب العالى ضد "محمد على" وعقد "معاهدة لندن" عام 1940عادت الحركة الوهابية إلى الانتعاش مجددا وإستطاع "عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود" الانتصار على "آل الرشيد" أمراء حائل وانتزاع مدينة الرياض منهم ليجعلها عاصمة لملكه في عام 1902، ثم الاستيلاء على شبه الجزيرة العربية بأكملها وتأسيس المملكة العربية السعودية سنة 1932.

تتميز الوهابية في صورتها الأولى بكونها مفهوما أيدلوجيا بسيطا، مضبوط المصطلحات والمفاهيم، مع سهولة التعبير عن مكنونه، يتناسب مع جمهور متلقي محدود التفكير، و بناء عقلي لا يستوعب النظريات المركبة، والفلسفة المعقدة، عاكسا الوضع الثقافي والإجتماعى لبيئة صحراوية بدوية محدودة الإدراك والوعي، متجاوبا مع سلوكيات خشنة جبلت على تحقير المرأة واستعبادها، وعلى ظروف معيشية قاسية تبارك الغزو والفتح والاستيلاء على الغنائم والسبايا، هي دعوة أقرب ما تكون إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لكن بخلفية بدوية خشنة ونوايا وأهداف مختلفة، وأصبحت مهمتهم الرئيسة في الوقت الحالي توفيق التعاليم الوهابية مع ثقافة الثراء السعودية الجديدة. وقد حلت الوهابية هذه المشكلة ضمن إطار المفهوم التقليدي بأن اعتبرت الثروة والقوة نعمة من الله يجب قبولها.

ويفسر جانبها الإستعلائى والخشونة تجاه الآخرين، واتهام المخالفين بأنهم خارجين عن الدين فقرا فى الفكر ورد فعل للدفاع عن تخلفهم الحضارى وعجزهم الإنسانى، كما يدلل رفضهم لمنتجات الحضارة الغربية وخاصة جانبها الثقافي بأنهم كانوا يعيشون حياة مجتمعية متخلفة ويحيون في عزلة حضارية مع شعور بالعجز عن اللحاق بالركب العلمي الإنساني، مما يجعلهم ينصرفون إلى الماضي يعيشون فيه والى الآخرة يحلمون فيها بحور العين، ويهتمون فقط بتربية لحاهم وتقصير ثيابهم وتغطية أجساد نسائهم ومنعهن من الخروج من بيوتهم أصلا، وحتى أن شعارهم على علمهم القومي ما زال السيف وجملة طويلة " لا إله إلا الله..محمد رسول الله"، وكأنه لواء حرب في إحدى الغزوات.

على أن التجليات العملية للمنهج الوهابي تبرز من خلال إدانتها للتبرك بالأولياء ورفضها للزيارات والمواسم والطرق الصوفية والعادات اليومية، ويرفضون السلفية، وعلاوة على الطعن في الأنظمة الرمزية التي تكون المجتمع، فإنها تلغي أيضا أطر المعيشة الاجتماعية للناس، لتعيد تشكيلها بما يتوافق مع معتقدها العام، وما ينتج عنه من نظرة حول العالم.

على أن أهم ما ميّز هذا الفكر بوجه عام يمكن تلخيصه فيما يلى:

1- التمسك بالماضي، وإحياءه، ومحاولة بعثه من جديد

2- التشدد والتطرف والانغلاق في أمور الدين والدنيا

3- التعصب والاستعلاء الديني

4- رفض منتجات الحضارة الحديثة الثقافية والإنسانية

5- تكفير المخالف وإعلان الجهاد ضده

6- العداء الشديد والاحتقار للمرأة

بعد هذه المقدمة السريعة للموضوع فإن الحديث عن النسخة المصرية للفكر الوهابي تأخذنا إلى رصد سريع لتأثير هذا الفكر في الواقع المصري، فقد تزامن تأسيس المملكة الثاني مع ظهور جماعة الإخوان المسلمين في مصر(1928) في فترة ما بين الحربين والصعود السريع للفكر الليبرالي والديموقراطى الذي أحدثته ثورة 1919، ليمثل الإخوان بفكرهم السلفي ردة إلى الخلف وتيارا معاكسا لمجرى التقدم.

يمكن القول أن النهضة الحديثة في مصر والتي يؤرخ لها بالحملة الفرنسية عام 1797 وتولى "محمد على" الحكم بإرادة شعبية، وما أحدثه من نهضة صناعية وزراعية وتعليمية، حيث نقل مصر في فترة زمنية وجيزة جدا (عشرون عاما ) من بلد يعيش في غياهب التاريخ إلى مشارف الدول العظمى والمتحضرة بمقياس ذلك الزمان، وبالرغم من تحالف الدول الأوروبية ضده وإرغامه على التخلي عن البلاد التي فتحها واقتصاره ونسله على حكم مصر والسودان، فقد كانت مصر قد وضعت أحد أقدامها على طريق النهضة والتقدم برغم كل العقبات والعوائق التي واجهتها لاحقا وأهمها الاحتلال الإنجليزي في 1882.

وتشهد بدايات القرن العشرين نهضه حضارية كبرى بإصدار عشرات الصحف والمجلات والدوريات وتأسيس عدد كبير من الأحزاب وافتتاح جامعة فؤاد (القاهرة ) في 1907، وكان من رموز هذه المرحلة الشيخ محمد عبدة ومصطفى كامل ومحمد فريد وقاسم أمين واحمد لطفي السيد وطلعت حرب ، وعشرات ومئات غيرهم.

على أنه برحيل العالم الإستنارى العظيم الشيخ "محمد عبدة" بدأ التراجع فى مجال الإصلاح الديني وكان خليفته " محمد رشيد رضا" أكثر محافظة وسلفية،واستمر التراجع بحلول مدرس الإلزامي "حسن البنا " واضعا منهجا أكثر سلفية حتى يصل بنا الأمر إلى "سيد قطب" والجماعات السلفية الجهادية وانتشار الفكر السلفي الوهابي، في مسيرة غير منقطعة حتى الآن.

لقد كان "محمد بن عبد الوهاب" مسلم سني على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ولكن الرجل كان يعتمد بشكل أساسي في أفكاره وفتاواه إلى آراء وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية وشروح تلميذه إبن القيم الجوزية، هذا المنهل المتشدد الذي نهل منه "أبو الأعلى المودودى" في الهند، و"سيد قطب" في مصر، وجهيمان العتيبى وبن لادن والشيخ عمرعبدالرحمن وجميع فصائل التكفير والجهاد في العالم الإسلامي.

وكان لصراع عسكر يوليو مع حركة الإخوان واضطهادهم لعناصرها أن فرّ معظم قادتها لينزلوا رحبا على النظام الوهابي السعودي إبان احتدام الصراع مع عبد الناصر، ليلقحوا أفكارهم بتعاليم ابن عبد الوهاب ويغترفوا من الأموال التي فاضت لديهم.

وجاءت هزيمة 1967 لتعلن هزيمة التيار القومي في العالم العربي، وتتيح فرصة ذهبية لصعود التيار الديني متوسلا بأننا هزمنا لابتعادنا عن الله، وليعلن أحد أشهر رموزه أنه سجد لله شكرا للهزيمة التي تعنى هزيمة الكفر، ويسقط مع التيار القومي أيضا اليسار بكافة أشكاله والذي ربط مصيره شعاراتيا مع هذا التيار المهزوم، وينفتح الطريق أمام التيار الديني واسعا، ليزداد الخرق أتساعا مع حرب رمضان ( أكتوبر ) والتي عبر فيها الجنود صائمين في رمضان تحت شعار "الله أكبر" كما اعلن حينئذ.

وجاءت القفزة في أسعار البترول لتدفع بأموال ضخمة في خزينة النظم السلفية في الخليج وعلى رأسها النظام الوهابي ولتفتح أسواقه لأعداد كبيرة من المصريين من مختلف الفئات فى هجرة مؤقتة ليعودوا بعد ذلك محملين بالأفكار السلفية والسلوكيات الصحراوية، كما كان انفتاح السوق المصرى امام استثماراتهم لتمتلإ الساحة بالشركات والبنوك والمصارف الإسلامية والتجارة باسم الدين وتنتشر مظاهر الإسلام الشكلي لتملأ الشوارع وتزكم الأنوف باسم الصحوة الإسلامية، هذا المناخ الذي أفرز سريعا نشوء جماعات التكفير، والعداء للأقباط واستحلال أموالهم، والهوس المرضى من جسد المرأة لينتشر الحجاب ومن بعده النقاب وترتفع دعوة الفصل بين الجنسين في مقاعد الدراسة والرحلات والمواصلات والمصالح الحكومية وفى جميع شئون الحياة، وتكتمل بالدعوة إلى عودة النساء إلى البيت.

واختلط الفكر السلفي الوافد من الجزيرة بتلك الدعاوى والفتاوى المحلية الصنع التي تملأ سماء الفضائيات فى مصر وليس آخرها فتاوى رضاع الكبير والتبرك ببول النبي ونخامته، يطلقون الفتاوى الصاعقة، مثل أن الزوج إذا ضاجع زوجته وهى عارية يكون قد ارتكب كبيرة الزنى، وأنها إذا أنجبت في هذه الحالة يكون الوليد «سفاحا»، إذ لا يجوز له- طبقاً لهذا الفهم- أن يرى زوجته عارية.

وكما حدث في باكستان من نشوء طالبان محلية امتدادا لتلك التي نشأت في أفغانستان، فلم نعد نفرق بين الأصل والتقليد، وتحول ذلك ليتداخل في النسيج الشعبي والسلوك اليومي والفكر الجمعي للجمهور.

إن المتأمل في ما حدث للشارع المصري سيلاحظ بدون كثير عناء أنه كلما علت موجة التشدد الديني، وارتفعت نغمة التطرف الإسلامي كلما زاد الفساد والسرقة والتحرش والجرائم بجميع أنواعها، وقد نشأت جرائم عنف وقتل لم نكن نسمع بها سابقا، بينما الأغلبية من أمثالي تربوا في بيوت محافظة يمارس فيها التدين التقليدي وفى بيئة لا تعرف التفرقة بين المسلم والمسيحي، ولا يوجد فيها حجاب ولا نقاب بل تحرر وتسامح، وحتى عندما انتشرت بين الفتيات موضة المينى جيب والميكروجيب في ستينيات القرن الماضي لم يكن ثمة تحرش، ولا سمعنا عن حالات الخطف والاغتصاب فى وضح النهار، هذا الهوس المجنون بجسد المرأة والتي يقولون عنها (للمرأة نصف عقل، وإنها كالكلب الأسود والحمار تقطع الصلاة، وإنها تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان).

زعموا أنهم يحاربون البدع برفضهم لعادات مصرية قديمة حرص المصريون عليها مثل أعياد الميلاد وسبوع المولود وأغاني الأفراح والمولد النبوي وشم النسيم وغيرها من اللهو البريئ والاستمتاع العفيف، وأعتقد لو أن الرسول بيننا لأقرنا عليها كما فعل مع مثيلاتها، لكنهم بحثوا في كتب التراث عن ما يحرم هذه الاحتفالات فقالوا أنها نوع من التقديس للأحياء، واستبدلوا الاحتفال بسبوع المولود بعقيقه اللحم ولم ينسوا أن يفرقوا بين الذكر والأنثى، فالذكر شاتان وللأنثى شاة واحدة.

لقد اختلط الفكر الوهابي الوارد بما هو أسوأ وأنكر من أفكار محلية الصنع أصبحت جزءا عضويا من ثقافة المجتمع، إلا من رحم ربى.

Friday, July 9, 2010

الحياة الدستورية المصرية... دستور 1923 نموذجا


لاشك أن ما أحاط بدستور 1923 من صراع ومعارك كان المحور الأساسى لنضال المصريين لمدة تزيد على ثلاث عقود من الكر والفر، ما بين إلغاء الدستور ثم إعادته، ثم إلغائه مرة أخيرة فى 10 ديسمبر 1952 بواسطة مجلس قيادة الثورة بعد اقل من 5 شهور من بيان الثورة الذى ألقاه بصوته "أنور السادات" ليعلن فيه إحترام هذا الدستور.

لم تعرف مصر الحديثة الدستور قبل 1923 إلاّ فيما يمكن تسميتة بجنين دستورى عام 1982 عرف ب"دستور العرابيين" والذى تم فرضه على الخديوى توفيق إبان الثورة العرابية ويعطى سلطة الرقابة والتشريع لمجلس النواب على الحكومة الممثلة فى مجلس النظار( الوزراء)، وإعتمد مبدأ أن الأمة مصدر السلطات ولكنه أعطى "الخديوى" تمثيل هذه الأمة أى أعطاه سلطات مطلقة، ويعتبر هذا الدستور قاصرا لأنه لم يفصّل الحريات العامة والحقوق الأساسية للمواطنين، وصدر هذا الدستور فى 7 فبراير 1882 وانتهى بدخول الإنجليز الى مصر فى نفس العام قبل أن يتم تطبيقه أو إنتخاب مجلس جديد للنواب.

وبمجرد ما وطد الإحتلال الإنجليزى أقدامه فى مصر حتى أصدر العديد من القرارات التى تمكنه من السيطرة التامة على مقاليد الأمور، أولها إيقاف العمل بدستور 1982 وإستبداله فيما بعد بما عرف ب"القانون الأساسى" الذى تم بموجبه تشكيل مجلس شورى القوانين من 30 عضوا 14 منهم بالتعيين احدهم رئيس المجلس وأحد الوكيلين، كما قرر الإحتلال حل الجيش المصرى وتكوين جيش نظامى لا يزيد عدده عن 18 ألف بقيادة إنجليزية خالصة، وبسبب موازنات معينة أبقى التبعية الصورية لمصر للسلطان العثمانى، بينما وجود قوات الاحتلال يجعل السيادة الفعلية لبريطانياو فى عام 1883م تم تعيين أول معتمد بريطانى فى مصر و هو اللورد كرومر، الذى بدا فى استخدام سياسة القبضة الحديدية فى حكم البلاد مما أدى الى تصاعد الاحتجاجات، و بدات قوى الحركة الوطنية فى التصدى الاحتلال بقوة.

كماعمد الإحتلال الى تدمير الصناعة المصرية الوليدة وفتح الأبواب لإستيراد السلع من بريطانيا، وعمد أيضا الى تحويل مصر لمزرعة للقطن وذلك للوفاء بإحتياج مصانع النسيج بيوركشاير ولانكشاير، وتم تبوير الحياة السياسية المصرية بعد تصفية الثورة العرابية ومحاكمة قادتها ونفيهم خارج البلاد وتشويههم، حتى بدأت الحركة الوطنية تنتفض رويدا رويدا من تحت التراب مع بدايات القرن العشرين مع ظهور قيادات شابة جديدة على رأسها "مصطفى كامل".

فى بدايات القرن الجديد بدأ عود الحركة الوطنية يشتد، وظهرت كثير من الصحف وأنشأ الكثير من الأحزاب، وتمت الدعوة الى إقامة الجامعة المصرية، والتف الشعب المصرى ثانية وراء قياداته الوليدة مطالبا ب"الجلاء والدستور".

قام الشعب المصرى بثورته الكبرى فى 1919 و شملت جميع انحاء القطر من مدن وقرى ونجوع، وضمت جميع الطبقات والفئات من كبار الملاك والرأسماليين والعمال والفلاحين والطلبة والنساء، وتوحد فيها عنصرى الأمة مسلمين وأقباطا تحت شعار "الدين لله والوطن للجميع"، و قد كانت الفترة من سنة 1919 و حتى 1923 فترة شديدة التميز تبدت فيها روح النضال و التوحد بين عناصر الأمة فى مواجهة القهر المتمثل فى الاحتلال، و لم تكن الوحدة الوطنية مجرد شعارات و لكنها كانت واقعا عمليا ملموساكانت ثورة 1919 ثورة شعبية بمعنى الكلمة و قد شملت القاهرة و مدن الأقاليم، و قامت فيها المظاهرات لكل فئات الشعب من طلبة و عمال و فلاحين، و اشتبك الثوار مع البوليس، الذى كان يقوده الضباط الانجليز، و قطع الثوار خطوط السكة الحديد و خطوط التليفونات، وإستخدم فيها الإحتلال أبشع أساليب العنف من إعدامات فى الميادين وإحراق للقرى وإطلاق الرصاص الحى على المتظاهرين ولكن إنتصرت فى النهاية إرادة الشعب وإضطر المحتل صاغرا الى إلغاء الحماية وإصدار تصريح 28 فبراير 1922 بإعتبار مصر دولة حرة مستقلة ذات سيادة (مع وجود التحفظات الأربعة الشهيرة) ، وليرحل الإحتلال من قلب المدن الى قاعدته فى منطقة القناة، ويبدأ عصر جديد مع صدور دستور 1923.

شكلت الحكومة "لجنة الثلاثين" لوضع الدستور، من أهم الشخصيات المصرية المعروفة في ذلك الوقت. قد استبعد الملك فؤاد ـ السلطان فؤاد في ذلك الوقت ـ من هذه اللجنة أهم الشخصيات من حزب الوفد، مما دعا زعيم الحزب ـ سعد زغلول ـ إلى إطلاق وصف "لجنة الأشقياء" عليها، بينما كان مطلبه بأن تضع الدستور جمعية نيابية تأسيسية منتخبة ، وإن أصبح الوفد، بعد ذلك، أكثر الأحزاب تمسكاً بالدستور ودفاعاً عنه، وارتبط اسم الوفد فيما بعد بالصراع مع الملك من أجل حماية الدستور، وقد أعلنت اللجنة التى وضعت الدستور تشكيل حزب يمثلها هو "حزب الأحرار الدستوريين" للدفاع عن هذا الدستور.

صدر الدستور بالأمر الملكي رقم 42 لسنة 1923 في 19 إبريل/ نيسان سنة 1923م، بمقدمة جاء فيها:

(ولما كان ذلك لا يتم على الوجه الصحيح إلا إذا كان لها نظام دستورى كأحدث الأنظمة الدستورية فى العالم وارقاها تعيش فى ظله عيشاً سعيداً مرضياً وتتمكن به من السير فى طريق الحياة الحرة المطلقة ويكفل لها الاشتراك العملى فى إدارة شئون البلاد والاشراف على وضع قوانينها ومراقبة تنفيذها ويترك فى نفسها شعور الراحة والطمأنينة على حاضرها ومستقبلها مع الاحتفاظ بروحها القومية والإبقاء على صفاتها ومميزاتها التى هى تراثها التاريخى العظيم)

وقد تبنى هذا الدستور ما يعرف "بالنظام الملكى الدستورى البرلماني"، وبلغت مواد هذا الدستور 170 مادة نظمت وضع الدولة المصرية في مادة واحدة، وحقوق المصريين وواجباتهم في 21 مادة، والملك في 24 مادة والوزراء في 15 مادة ومجلس الشيوخ في 7 مواد ومجلس النواب في 7 مواد والسلطة القضائية في 7 مواد ومجالس المديريات والمجالس البلدية في مادتين والمالية العامة في 11 مادة والقوات المسلحة في 3 مواد وأحكام عامة في عشر مواد بالإضافة لأحكام ختامية ووقتية.

ويعد دستور 1923 أول دستور تناول بالتفصيل العرش وسلطات الملك والوزراء ، و تناول أيضاً قضايا الحقوق والحريات العامة، كما تناول مختلف القضايا التي تتناولها الدساتير الحديثة، ويحسب لدستور 1923 أنه سعى إلى تقليص سلطات الملك وتقوية مركز رئاسة الوزراء، ويشير إلى ذلك نص الدستور على وجوب توقيع مجلس الوزراء والوزراء المختصون لأجل نفاذ توقيعات الملك في شؤون الدولة (مادة 60).

ومن ناحية أخري فقد أعطي الدستور السلطة التنفيذية ممثلة بالملك حق التدخل في سير عمل البرلمان عن طريق دعوة البرلمان للانعقاد وفض ا لدورة البرلمانية وتأجيل انعقاد البرلمان ومنحها سلاحا مهما لمواجهة المسئولية الوزارية وهو حق حل البرلمان وان كان قيدها فى الدعوة لإنتخابات عامة خلال 60 يوما من قرار الحل، وهذا الحق الذى تعسف الملك فؤاد ومن بعده الملك فاروق كثيرا فى إستخدامه.

كما أن الدستور أساسا كما ظهر فى الأمر الملكى كان فى شكله منحة من ملك البلاد الى شعبه، حيث يبدأ هذا الأمر بعبارات (نحن ملك مصر ..........بما أننا مازلنا منذ تبوأنا عرش أجدادنا وأخذنا على أنفسنا أن نحتفظ بالأمانة التى عهد الله تعالى بها الينا نتطلب الخير دائماً لأمتنا بكل ما فى وسعنا ونتوخى أن نسلك بها السبيل التى نعلم أنها تفضى إلى سعادتها وارتقائها وتمتعها بما تتمتع به الأمم الحرة المتمدينة)، وكأن مصر قد وهبها الله له ولآبائه وأبنائه من بعده يتحكم فيها كيفما شاء.

ظلت الحياة السياسية فى مصر لسنوات طويلة بعد صدور الدستور صراعا بين إرادتين، إرادة الملك من جهة فى محاولاته المستمرة للعدوان على الدستور وفرض إرادته بالمخالفة له، والحركة الوطنية بقيادة حزب الوفد فى تصديها لمحاولات الملك، وهناك حوادث شهيرة فى التاريخ على هذه الأشكال من الصدام، وكان السيناريو المتكرر هو أن يصطدم الملك بحكومة الأغلبية، فيلجأ الى حل البرلمان وإقالة الحكومة، والدعوة لإنتخابات جديدة يتم تزويرها لصالح احزاب الأقلية، ليعود الشعب للثورة ضد الحكومة فتسقط، ويعود الوفد للحكم بإنتخابات جديدة، وهكذا....

على أن أكثر هذه التجارب مرارة كانت السنوات ما بين 1930 و1935 حيث أصدر الملك فؤاد أمراً ملكياً بإبطال دستور 1923 م وإعلان دستور 1930م الذي أعدته حكومة إسماعيل صدقي باشا وذلك لتقوية سلطات الملك علي حساب سلطة البرلمان، وقد إعتمد الملك فى قراره هذا على حجة مفادها أن دستور 23 وضع إستلهاما من الدساتير الغربية و أن الأحوال الاجتماعية والاقتصادية في مصر لا تشبه ما عليه الدول الأوروبية ومن ثم فدستور 23 لا يصلح للأوضاع المصرية، وقد ظل هذا التجاذب الدستورى مستمرا حتى الآن بين نمطين، أحدهما ليبرالى يعمل على تعزيز الحياة البرلمانية والآخر سلطوى ينحو الى تغليب النظام الرئاسى وتغليب السلطة التنفيذية، فالشكوى من الحياة الدستورية في ظل دستور 1923 لم تكن راجعة إلى عيوب في الدستور في ذاته بقدر ما كانت ناشئة عن مخالفة أحكام الدستور والاعتداء عليه،. ومع زيادة الرفض الشعبي لدستور صدقي وظهور بوادر الحرب العالمية الثانية، رأت سلطات الاحتلال البريطاني ضرورة الاستجابة لهذه المطالب الشعبية وإعادة دستور 1923، حتى تضمن استقرار الأوضاع في مصر في حالة قيام الحرب العالمية. وهكذا أعيد دستور 1923 من جديد في 1935.

فى الختام أقول لقد دفع المصريين ثمنا غاليا من كفاحهم ودمائهم دفاعا عن هذا الدستور، وطلبا للديموقراطية التى يؤطرها ، ولعلنا ما زال يتردد فى مسامعنا مظاهرات الطلاب فى الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضى وهم يهتفون " عاش دستور 23 "

.

Tuesday, July 6, 2010

صفحة ناصعة من تاريخ مصر



مساء أحد أيام شهر يوليو الحارة فى عام 1933 ، وإبان إشتعال الحركة الوطنية المصرية ضد الإحتلال الإنجليزى وحكومة صدقى والمطالبة بعودة دستور 1923, بينما كان ثلاثة شبان ثوريين ساهرين فى مقر جريدتهم "الصرخة" يجهزون العدد الجديد، إذ بصوت أحذية ثقيلة تعلو الدرج، يندفع ضباط الداخلية من باب الجريدة دون إستئذان، ليلقون القبض على هؤلاء الشبان الصغار، ويتركون باب الجريدة مفتوحا، وينطلقون بهم سريعا الى "سجن مصر".

أولهم هو حافظ محمود، وكان أكبرهم سنا وعمره آنذاك 25 سنة، وقد بدأ عمله السياسى وهو ما زال طفلا فكوّن وعمرهآ 14 عاما جمعية القلم الأدبية، وعندما كبر قليلا أسس مع مجموعة من أقرانه "جمعية الإستقلال الإقتصادى" داعين الى مقاطعة البضائع الإنجليزية، ثم سعى بعد ذلك لتكوين نقابة الصحفيين وحاز رقم العضوية الأول بها وإشتهر فيما بعد بشيخ الصحفيين حيث انتخب لمدة 26 دورة متتالية ( 1941- 1967) ونقيبا للصحفيين4 دورات متتالية (1964- 1968).

ثانيهم كان "فتحى رضوان" وهو إسم له تاريخ نضالى كبير، كان عمره وقتها 21 عاما، يحمل قلبا يخفق بالوطنية والعشق لبلده، خاض غمار النضال مبكرا مع رفيق دربه وزميل كفاحه"أحمد حسين" بداية من إنشاء جريدة "الصرخة" ومشروع القرش ثم تكوين حزب "مصر الفتاة"، بعدها إختلفا فانضم فتحى رضوان الى الحزب الوطنى القديم ولكنه سرعان ما رأى أن الحزب ليس ثوريا بما يرضى طموحه، وأن عمله مع الأرستقراطية ورجال الأعمال لا يرضيه، فأنشأ الحزب الوطنى الجديد على خطى "مصطفى كامل"، وأصدر جريدة "اللواء الجديد"، وآخر مرة أعتقل فيها قبل الثورة كانت بعد حريق القاهرة فى 26 يناير عام 1952، حيث مكث فى السجن حتى حركة الجيش فى23 يوليو، ليصدر مجلس قيادة الثورة قرارا بالإفراج عنه وتعيينه وزيرا للإرشاد القومى (الإعلام )، أما آخر إعتقال له وهو فى السبعين فى سبتمبر 1979.

أما الثالث فهو شيخ المجاهدين" أحمد حسين"، كان وقتها فى نفس عمر "فتحى رضوان" 21 سنة ، عرف عنه الوطنية المتأججة والتطرف السياسى منذ نعومة أظفاره، حيث كوّن مع صديقه وزميل كفاحه "فتحى رضوان" وهم فى المدرسة الإبتدائية "جمعية نصر الدين الإسلامى"، وأثناء دراسته الجامعية أنشأ "مشروع القرش"، وذلك لحث المواطنيين للتبرع بقرش واحد للمساهمة فى مشاريع إقتصادية لإنقاذ الإقتصاد المصرى وهو مشروع حالم لتشجيع الصناعة المصرية من خلال إنشاء مصنع للطرابيش!!!، ثم قام بإنشاء جمعية مصر الفتاة عام 1933 واتخذ جريدة الصرخة منبرا لها، وكانت جمعية متطرفة فى وطنيتها، وكان من شعاراتها "لا تتحدث إلا بالعربية"، و"لا تشتر إلا من مصري"، و"لا تلبس إلا ما صنع في مصر"، و"احتقر كل ما هو أجنبي، وتعصب لقوميتك إلى حد الجنون".، وأنشأت جماعات شبه عسكرية عرفت بـ"تشكيلات القمصان الخضراء"، وكانت شعاراتها واسلوبها متأثرا بصعود النازية والفاشية والنزعات العنصرية فى أوروبا، ثم غير إسم الجمعية فيما بعد الى "الحزب الإشتراكى" ولكنه كما قال عنه المؤرخ "طارق البشرى" : (إن الحزب الاشتراكي انتشر أكثر مما توغل داخل الجماهير، وكان جيشانا ثوريا أكثر منه قدرة ثورية).
كانت حركة الشعب المصرى النضالية قد هدأت كثيرا بعد ثورته العظيمة فى 1919 التى توجت بإلغاء الحماية البريطانية على مصر وصدور تصريح 28 فبراير 1922 والذى ينص على أن مصر دولة مستقلة ذات سيادة مع التحفظات الاربعة الشهيرة، وبعد صدور دستور 1923 الذى حول مصر لأول مرة الى ملكية دستورية، وتم فيه تقييد سلطات الملك فؤاد كثيرا بذكر أن يمارس صلاحيته من خلال الحكومة، ورغم ذلك فلم يكن "سعد زغلول" راضيا كل الرضا عن هذا الدستور واصفا اللجنة التى وضعته ب"لجنة الأشقياء"، ومعتبرا أن اللجنة أعطت صلاحيات للملك أكثر مما يجب.

وبموت "سعد زغلول" فى 1927، وتزايد الصراع والتناحر بين الأحزاب وقادة الوفد على وراثة سعد، إنتهز الملك فؤاد الفرصة بإيعاز من الإنجليز لينقض على الدستور من خلال "إسماعيل صدقى" الذى أطلق عليه المصريين "جلاد الشعب" لقسوته وعنفه فى مواجهة الجماهير، ليصدر أمرا ملكيا بإلغاء دستور 1923 وإستبداله بدستور 1930 الذى يعطى الملك صلاحيات شبه مطلقة.

تحرك الطلاب ومعهم الشعب المصرى بكافة طبقاته لتشمل عمد القرى الذين قدموا إستقالاتهم وصدرت الدعاوى لزعماء الأحزاب بالتخلى عن مطامعهم الشخصية والإتحاد من أجل المطالبة بعودة دستور 1923، وبدأت الحركة الوطنية فى الإشتعال مرة أخرى.

فى تلك الأثناء أظهرت السلطة ممثلة فى "حزب الشعب" صنيعة الملك والإحتلال وجهها القبيح وتصدت بعنف للحركة الوطنية وكان أن تم إعتقال الشبان الثلاثة الذين ذكرناهم وإغلاق جريدتهم، وكان هؤلاء الثلاثة من الشباب الوطنى الذين لا تحميهم قوة وليس وراؤهم حزب كبير يدافع عنهم، من هنا كان تعاطف الجماهير معهم أكبر، إذ توافد الأهالي والمواطنون على السجن الذي أُودع فيه الشباب، لتقديم طعام طازج وشهي يومياً إلى المعتقلين، بينما تسابق المساجين لتقديم الفراش النظيف والأغطية للشباب!

وفى يوم محاكمتهم حضر حشد كبير من المواطنين الى قاعة المحكمة، بينما توافد المحامين المتطوعين للدفاع عنهم، وما أن إعتلى القاضى المنصة وبدأ الإتهام والمرافعة فى الكلام حتى فوجئ الحضور بشخص مهيب الطلعة يدخل من الباب الخلفى شيخ جليل مرتديا روب المحاماه، وظهرت علامات الإرتباك على القاضى فقد كان هذا الشخص هو "محمد على علوبة باشا" وزير الحقانية ( العدل) الأسبق، وما أن دخل القاعة حتى رفع يده مستأذنا : أنا حاضر عن المتهمين، فحياه القاضى مرتبكا وأفسح له مكانا ليبدأ مرافعته.

نظر "علوبة باشا" الى المنصة قائلا : سيدى القاضى، أرجو تدوين كل كلمة أقولها، و كان يعلم أن كل الكلام الذى يدور فى القاعة يدون بالفعل ولكنه أراد بهذا الإستهلال أن يشد الأنظار التى كانت فى الحقيقة شاخصة اليه، ثم أخرج من جيبه عدد جريدة "الصرخة" محل التحقيق وبدأ يقرأ ببطأ وبصوت جهورى المقال الإفتتاحى الذى يحاكمون من أجله، وكان المقال يدعو الشباب للثورة على الظلم وأن يستلهم روح شباب ثورة 1919 ويدعوهم أن يثوروا على كل من يحاول قهرهم، وما أن إنتهى من القراءة حتى دوّت القاعة بالتصفيق، وبادر بالقول: "والآن يا سيدي القاضي، إنني قلت وأؤيد في محضر الجلسة نفس الكلام الذي سجن هؤلاء الشباب بسبه، وأنت الآن ليس أمامك إلا أمر من اثنين؛ إما أن تطلق سراحهم ، أو أن تحكم بسجني معهم".

حدث هرج ومرج عظيم بالقاعة، ولم يستطع القاضى السيطرة على الحضور، فأمر برفع الجلسة وإعلن تنحيه عن القضية، ليصدر رئيس المحكمة أمرا فوريا بتعيين قاض آخر ليعود الى نفس الجلسة ويصدر حكما بالإفراج عن المتهمين.